وقد أمرنا الله تعالى وأمر نبينا أن يتأسى بإبراهيم في مواضع عديدة من كتابه فكان صلوات الله وسلامه عليه مقتفيا طريقته متبعًا سبيله، ولذلك وصفه قومه بذات الوصف الذي وُصِف إبراهيم به من قبل، فقال تعالى في سورة الأنبياء أيضا، ليدلنا ويعرّفنا بطريق الأنبياء الحقيقي: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) .
قال المفسرون: (يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) أي بالسوء والعيب، وفي سنة المصطفى وسيرته مع الكفار ما يبين هذا ويوضحه، وقد فصلناه بفضل الله ومنّه في كتابنا (ملة إبراهيم) منذ أمد طويل؛ فراجعها وتأمل طريق المرسلين وملة إبراهيم وطريقته هو والذين معه، ثم انظر إلى أحوال كثير من المفتونين الذين سخّروا المنابر والخطابة والدين للطاغوت، لتعرف مقدار الغربة الحقيقية التي يعايشها ويكتوي بنارها أهل التوحيد الحق في هذه الأيام، وتفهم بجلاء أحاديث المصطفى عليه السلام في غربة الإسلام في مثل هذه الأزمان .. فكم ممن يعتلي المنابر اليوم وهو في معزل تام عن دعوة الأنبياء والمرسلين هذه، بل هم ورب الكعبة في العدوة المعادية لها وفي الجهة المضادة والمعاكسة لطريقهم ومنهجهم .. فالمرسلون يدعون إلى هدم الطواغيت ويعيبونها ويسفهونها ويطعنون فيها ويتبرؤون منها ويدعون الناس إلى اجتنابها والكفر بها .. وهؤلاء الأراذل المتمسحين بدين الأنبياء زورًا وبهتانًا، المشوهين للإسلام والتوحيد يعكسون ذلك ويضادون طريق الأنبياء، فيدعون للطواغيت بالعز والنصر وطول العمر .. ويكيلون ويعزفون لهم المديح والثناء ..
فمنهم من يقول بعد أن ينزع جلباب الحياء ورداء التوحيد قبله، (اللهم انصر إمام المسلمين!! أو اللهم أعزه وارزقه البطانة الصالحة) وكأن الفساد فقط في بطانته، أما بطنه ورأسه هو وقلبه الذي هو مجمع الشرك والكفر والفساد، فهم في معزل عن ذكره والكلام فيه ..
ومنهم من يقول: (اللهم أعز فلانًا من الطواغيت ويسميه باسمه أو بلقبه أميرًا كان أو ملكًا أو رئيسًا - أو يعمم فيقول - وفق ولاة أمور المسلمين!! وانصرهم على من عاداهم) !! وهم يعلمون أن ألدّ أعدائهم اليوم هم الموحدون، الذين يسمونهم بالارهابيين والمتطرفين أو الخوارج والفئة الضالة أو غيره من زخرفهم وزورهم .. فلعنة الله على الكافرين ..
* ويمكن أن نقسم الدعاء للطواغيت إلى قسمين:
-الأول: ما كان من قبيل توليهم ونصرتهم باللسان وتمني ظهورهم وبقاءهم، والدعاء لهم بالنصر والغلبة على كل من عاداهم وطول العمر أو طول البقاء، فهذا ظاهره التولي ..
وقد قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
ومن كان كذلك فلا يحل الاقتداء أو الائتمام به ومتابعته والصلاة خلفه، لأنه (منهم) أي من الطواغيت، وليس منا ولا هو أحدنا حتى نصلي خلفه .. إذ نحن نتقرب إلى الله بالبراءة من الطواغيت وأوليائهم .. وقد عرفت فيما تقدم أن المصطفى قد أمرنا بأن يكون إمامنا (أحدنا)