الصفحة 161 من 291

ومثل هذه الآيات أيضًا قوله سبحانه: {يأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [سورة المدثر: الآيات 1-4] فقد جمعت بين العقيدة وبين الأحكام وبين الدَّعوة، وكأن الله سبحانه يلفتُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم، إلى أنَّ هذه الثَّلاثة لا ينفك بعضها عن بعض، فوضوح العقيدة يُلزم العمل بالأحكام المخاطب بها، وثمرة العمل بالأحكام -وهو مقتضى العقيدة- هي دعوة النَّاس إلى ما منَّ الله به عليه من وضوح العقيدة والعمل بمقتضاها.

وإذا كان هذا هو شأن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم مع الوحي، فالأُمَّة -وهي المتأسِّية به- أولى أن يكون هذا شأنها مع الوحي، لأنَّ استجابتها للوحي ليس كاستجابة النَّبي صلى الله عليه وسلم، واستجابة الصَّحابة أفضل وأسرع للوحي من استجابة الأُمَّة في قرونها الآتية من بعد إلى أن يأذن الله سبحانه بإرادته أن يكون لهذه الأُمَّة في آخر أمرها خلافةٌ على منهاج النُّبوَّة، فيكون لهذه الخلافة -ولا بدَّ- هَيمنَةٌ بولايتها العامَّة على الأُمَّة، وبالشوكة التي في يدها التي كان لها بها التَّمكين في الأرض.

وبَدَهيٌّ أن عمليَّة التَّربية والتَّصفية كانت أيسر تقبُّلًا، وأسرع استجابةً في الصَّحابة، فمُعلِّمهم والآخذون عنه محمَّد صلى الله عليه وسلم، والوحي لا يبطىءُ عنهم بأمر إلاَّ لحكمة، ثمَّ لا تلبث آياته أن تنزل عليهم سراعًا، فيرونها ماثلةً في شخص نبيِّهم صلى الله عليه وسلم سلوكًا واضحًا نيِّرًا، لذا فإنَّ إقامة البُنية الذَّاتيَّة للجماعة المسلمة هذه الجماعة في العهد المكِّي قد استغرقت وقتًا أطول من الوقت الذي استغرقه بناءُ الدَّولة بعد الهجرة، فالإعدادُ -ولا شك- أصعب ممَّا يأتي من بعده في عمليَّة بناءِ الدَّولة والمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت