الصفحة 158 من 291

ومجانبة السلوك السياسي ليس مهادنة للأنظمة التي تعكف عليه وتحميه وتدافع عنه -فإن ذلك كله أمرٌ قضاه الله سبحانه، وخلق له أسبابه- بل هو من باب السياسة الشرعية التي يجب على العلماء والدعاة تعليمها الناس، وتفقيههم بها، فإن في هذه المجانبة حمايةً للجهد الدعوي، ونجاةً من مخالطة أمرٍ يقود مخالطه -ولا بد- إلى محظورات أنه يصير يرضى بالسكوت عن المنكر؛ الذي لم يكن يرضى عنه قبل المخالطة، ذلك أن طبيعة السلوك السياسي لا تقبل التفريق بين المنكر وبين المعروف، فالمنكر سلوك، والمعروف سلوك، ويمكن أن يعيشا معًا جنبًا إلى جنب من غير أن ينكر المعروف على المنكر شيئًا، أو ينكر المنكر على المعروف شيئًا، وماذا يعيب المنكر على المعروف أو المعروف عن المنكر وفي وسعهما أن يمتزجا، ويأتلفا، ولا يتخالفا؟! نعم: هكذا!! وهذه فلسفة السلوك السياسي المعاصر!!

فمثلًا هذا فلان من المخالطين السلوك السياسي يصلي، وفلان لا يصلي، فلا يحسن بالمصلي أن يرى في ترك الصلاة عيبًا يعيب تارك الصلاة، وليس من حسن الأدب أن يرى تارك الصلاة في فعل الصلاة عيبًا يعيب به فاعلها، ولم يكن هذا السلوك السلبي قبل المخالطة مقبولًا، لكنه بالمخالطة أصبح هو الأمر المقبول وحده (3) .

ومثل الصلاة في هذا سائر الأعمال -سواءٌ أكانت صالحة أم كانت غير صالحة- فالائتلاف الذي أحدثه مخالطة السلوك السياسي أحدث قبولًا للمتناقضات، وصيَّرها مقبولةً كلَّ القبول، فهل يكون العمل السِّياسي مقبولًا بمثل هذا القبول؟!

أحسب أن مقولة:"دَع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"كلمةٌ حكيمةٌ تصلحُ لزماننا، ونحن نرى السُّلوك السِّياسي على مثل ما نراه ما دُمنا نستحضر في ذواكرنا المسار الذي حدَّدته الأخبار النَّبويَّة للأُمَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت