الصفحة 21 من 58

فهل ما فُهم من كلام الشافعي صحيح؟ أم أن قائله توهم من النص معنىً فأوهم القارئ به وحمّل الكلام ما لا يحتمل، يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله: (وليس الدلالة على عورة مسلم، ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها، أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بيّن) فهذا من الشافعي تصريح برأيه في حكم الجاسوس لا غير، وما فهمه أولئك من أن الشافعي يحكم حكمًا عامًا في سائر أنواع المظاهرة وأنه قد صرح بعدم كفر من قاتل مع المشركين غير صحيح البتة، وقد داخل الوهم أولئك حين ظنوا أن معنى: (أو يتقدم في نكاية المسلمين) أن المتقدم في النكاية هو هذا المظهر للإسلام، والصواب في فهم كلامه عليه رحمة الله أن المتقدم هنا في النكاية الكافر لا المسلم، فالكلام لا يخرج عن ذكر صور إضرار الجاسوس فهو قد يدل على عورة مسلم، أو يؤيد الكفار بقول شيء يحذره فيه من أن المسلمين يريدون منه (أي الكافر) غرة فيحذر (الكافر) منها، أو يؤيد المسلمُ الكافرَ بخبرٍ فيتقدم (الكافر) في نكاية المسلمين، وهذا بيّن بحمد الله، وإن أبوا إلا سوء الظن بالشافعي وأصروا على جعل ما قالوه احتمالًا في فهم كلامه فليكن تنزلًا، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، ودعوا الشافعي يتكلم في مسألة الجاسوس دون أن تحملوه تبعة ما فهمتموه فتقولوه ما لم يقل، وإني لأنزه الشافعي رحمه الله عن الذهاب إلى ذلك المعنى الفاسد الذي تريدون، ومن تأمل السؤال الذي طرح على الشافعي وجده يدور حول حكم الجاسوس لا غير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت