الصفحة 93 من 141

وقال الجبريَّة ورئيسُهم جهمُ بن صفوان الترمذيُّ، وهو مذهب أبي الحسن الأشعريِّ (1) : لا فِعلَ للعبد أصلًا ولا اختيارَ ولا قُدرةَ لهم على أفعالهم، وهي كلّها اضطراريَّةٌ كحركات المُرتَعِش وحركات العروق النابضة، وإضافتُها إلى الخلق مجازٌ، وهي على حسب ما يُضافُ إلى محلِّه لا إلى محصِّلِه، فعندهم: جاء زيدٌ وذهب عمرٌو، كقولك: طال الغلامُ وابيضَّ الشعرُ. ومبنى المذهبين ــ أي الجبريَّة والقدريَّة ــ أصلٌ لهما، وهو أن دخولَ مقدورٍ واحدٍ تحت قُدرة قادِرَين محالٌ اعتبارًا بالشاهد الذي هو دليل الغائب، وهذا لأن ما كان مقدورًا للقادر لا بدَّ وأن يحصُلَ عندما يدعوه الداعي إلى فِعلِه، وأن لا يحصُلَ عندما يَصرِفُه الصارِفُ عن فِعلِه، فلو فَرَضْنا مقدورًا واحدًا بين قادِرَين، وحصل الداعي إلى الفِعلِ في حقِّ أحدِهما، وحصل الصارفُ عن الفِعلِ في حقِّ الآخر، لَزِمَ أن يوجَدَ ذلك الفِعلُ وأن لا يوجَدَ، وهذا محالٌ، فالقولُ بوجود مقدورٍ تحت قدرة قادِرَين محالٌ.

(1) نسبة الجبر إلى مذهب الأشعري ليس بصحيح، بل مذهب الأشعري إثبات اختيار العبد ووقوع الفعل بخلق الله عند اختيار العبد له، قال الباقلاني في «الإنصاف» : ويجب أن يُعلم أن العبد له كسبٌ وليس مجبورًا بل مكتسبٌ لأفعاله من طاعة ومعصية. اهـ. وإطلاقات بعض الأشاعرة ما يُوهِم الجبر، يُفهَم في ضوء قولهم إن إمكان الاختيار يُنافي الجبر. ومذهبُ الماتريدية في هذا الباب أوضحُ من مذهب الأشاعرة، وبعضُ الأشاعرة كإمام الحرمين على قول الماتريدية. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت