الصفحة 83 من 141

وقالت المعتزلة: كلامُ الله تعالى مخلوقٌ غيرُ قائمٍ بذاته، وقبلَ خَلقِه ما كان متكلِّمًا، وإنما صار متكلِّمًا بإحداث الحروف في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ?إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًَا عَرَبِيًَّا? [الزخرف: 3] ، والجَعْلُ والتخليقُ واحدٌ، ولأن الكلام في الشاهد من جنس الحروف والأصوات، ففي الغائب كذلك، ويستحيلُ قيامُ الصوت والحرف بالقديم.

والجواب: أن الآية محمولةٌ على العبارات المُحدَثة، ولا نُنازعُهم في ذلك، ويُؤيِّدُ هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق» (1) ، وقولُهم: «الكلام في الشاهد من جنس الحروف والأصوات» ممنوعٌ، بل الكلام في الشاهد هو المعنى القائم بالذات، بدليل قول الأخطل:

إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤَادِ وإنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ على الفُؤَادِ دليلًا

وكذا أخبَرَ اللهُ عن اليهود بقوله: ?وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَولَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ? [المجادلة: 8] ، أي: يقولون في قلوبهم: لولا يُعذِّبُنا الله بما نقول لمحمَّدٍ في خبثنا إياه. ويقول الرجلُ لغيره: لي معك كلامٌ أُريدُ أن أُخبِرَك به (2)

(1) لم نقف عليه مرفوعًا ولا موقوفًا. ولو كان في الباب حديث كهذا لما وقعت الفتنة المشهورة ولا الخلاف الطويل الذي نشأ عنه التبديع والتفسيق والتضليل والتكفير!!

(2) وأنت ترى أن الاستدلال على ثبوت الكلام النفسي في الشاهد ـ أي في المخلوق ـ ومثله يجوز الاحتجاج فيه ببيت شعر مهما كان قائله، على أن المصنف استدل بالقرآن أيضًا كما ترى، ويضاف إليهما قول عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: «فزوَّرتُ في نفسي مقالة» أخرجه ابن هشام في «السيرة» 4: 227، وابن جرير الطبري في «التاريخ» 2: 235، والخطيب في «الفصل للوصل المدرج في المتن» 1: 491 بإسناد صحيح عنه.

ومن هذا تعلم بطلان ما يذيعه بعضهم من أن الأشاعرة والماتريدية بنوا مذهبهم في إثبات الكلام النفسي على بيت لشاعر نصراني!

واعلم أن وصف كلام الله بالنفسي جاء لاعتبارين: الأول: أنه ليس بحرف ولا صوت ولا متجزِّئ ولا متبعِّض، فكما أنك تجد في نفسك كلامًا هذه صفته، فكذلك كلام الله سبحانه، ولا يُراد بهذا تشبيه كلامه سبحانه بكلامنا النفسي.

والثاني: أنه قائم بذات الله، وفيه رد على المعتزلة القائلين بعدم جواز قيام الصفات بالذات، فالنفسي هنا بمعنى الذاتي، أي هو قائم بذات الله كالعلم والقدرة والإرادة ...

وقد توسَّع الإمام الباقلاني في «الإنصاف» في إثبات الكلام النفسي، فليُراجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت