الصفحة 41 من 141

ولقائل أن يقول: احتمالُ العقابِ بعدم الشُّكرِ قائمٌ، ودفعُ الخوفِ عن ذلك من أجلّ الفوائد، لأن احتمال العقاب إما أن يكون واقعًا في نفس الأمر أو لا، فإن كان واقعًا فدَفْعُه من الفوائد، وإن لم يكن واقعًا لَزِمَ ورودُ الشرع على خلاف الواقع، وهو محال.

والجواب عما تَلَوا (1) : أنه محمولٌ على عذاب الدنيا كما جرى للمتقدِّمين من مُكذِّبي الرسل، أو هو محمولٌ على الشرائع.

واعلم أن أصحابنا قد ذكروا أنا لا نعني بوجوب الإيمان بالعقل أنه يستحقُّ الثوابَ بفِعلِه والعقابَ بتَرْكِه، إذ هما يُعرَفان بالسَّمعِ، وإنما نعني به أن يثبتَ بالعقل نوعُ رجحانٍ للإتيان بالإيمان (2)

(1) أي عن استدلالهم بقوله تعالى: ? وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلًَا ?.

(2) قوله: «نوع رجحان» أي: أن يترجَّح بالعقل وقوع الفعل على عدم وقوعه، أو أن يترجَّح عدم وقوعه على وقوعه، فالأول هو الحسن، والثاني هو القبيح، من غير أن يترتب بالعقل الثوابُ على الأول والعقابُ على الثاني.

ومعنى الوجوب هو رُجحان الوقوع على عدم الوقوع مع ترتُّب الثواب على الفعل والعقاب على عدمه، والندب هو نفسه مع عدم ترتّب العقاب على فعله، والحرمة رجحان عدم الوقوع على الوقوع مع ترتب العقاب على فعله والثواب على تركه امتثالًا، والكراهة نفسه مع عدم ترتب العقاب على فعله، فالرجحان مع هذه الترتبات لا يكون عند الأشاعرة والماتريدية إلا بالشرع.

أما حصول الرجحان بالعقل من غير الترتبات المذكورة ــ وهو ما سماه الشارح «نوعَ رجحان» ــ فقد يكون بالعقل أيضًا، كملائمة الشيء للطّباع أو منافرته لها، فليس هو رجحانًا مطلقًا، لأن الرجحان المطلق يستلزم هذه الترتبات. ... ... ... =

= فإن قيل: كيف يُدرِكُ العقلُ هذا الرجحانَ ولا يترتَّبُ الثوابُ والعقابُ عليه؟ قلنا: لأن هذا الرجحان ليس ذاتيًا، وإنما هو رجحانٌ نسبيٌّ، فالحكم بوجوب وقوعها أو عدمه لا بد معه من طلاقة في الصفات، وهذا ما لا يتحقّق لمخلوق أبدًا، ولذلك قال تعالى: ?إنِ الحُكمُ إلا لله? [الأنعام: 57] ، فصار عندنا ثلاثة أمور: الأول: إدراك الشيء من حيث كونه صفة كمال أو نقص. والثاني: رجحان الوقوع أو عدم الوقوع. الثالث: ترتّب الثواب والعقاب. والعقل له حكم في الأول والثاني دون الثالث. والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت