الصفحة 39 من 141

وقال الشيخ أبو منصور في الصبيِّ العاقل: إنه تجبُ عليه معرفةُ الله تعالى، وهو قول كثير من مشايخ العراق، لأن الوجوبَ على البالغ باعتبار العقل، فإذا كان الصبيُّ عاقلًا كان كالبالغ في وجوب الإيمان عليه، وإنما التفاوتُ بينهما في ضعف البِنية (1) وقوَّتِها، فلا جَرَمَ يفترقانِ في عمل الأركان فيما لا يتعلَّقُ بالجَنان.

وذهب كثيرٌ من مشايخنا إلى أنه لا يجبُ على الصبيِّ شيءٌ قبلَ البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ: عن الصبيِّ حتى يحتلم» (2) الحديث. وحمَلَهُ الشيخُ أبو منصور على الشرائع. ولا خِلافَ بين أصحابنا في صحةِ إيمان الصبيِّ العاقل (3)

(1) في (ج) وحدها: «البيِّنة» ، والافترق في عمل الأركان مبنيٌّ على البِنية لا على البيِّنة.

(2) أخرجه أبو داود (4399 ــ 4403) ، والترمذي (1423) ، والنسائي في «السنن الكبرى» (7305 ــ 7307) ، وابن ماجه (2042) من حديث علي كرَّم اللهُ وجهه. وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجَّح النسائي الموقوف.

وأخرجه أبو داود (4389) ، والنسائي 6: 156 (3432) ، وابن ماجه (2041) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(3) وبه قال المالكية والحنابلة، وعند الشافعية خلافٌ في صحَّة إسلام الصبيِّ محلّه بالنسبة إلى تعلّق أحكام الدنيا به، أما بالنسبة إلى أحكام الآخرة فلا خلاف في صحَّة =

= إسلامه، وهو المنقول عن الشيخين. انظر «روضة الطالبين» للإمام النووي 5: 429 و432 و434 و8: 281، و «المسامرة» للعلامة ابن أبي شريف ص193 ــ 194.

قلنا: لأن الصحة يتعلق بها أمران: الأول: اعتبار الشيء، والثاني: ترتّب الأحكام عليه، والخلاف في الثاني لا في الأول، لأن الإيمان هو التصديق المقطوع به، ومن قواعد الشريعة أنّ الأمرَ القطعيَّ لا يجوز إسقاطُه ولا إهمالُه، وعليه فلا يجوز عدم اعتبارُ صحة إسلام الصبيّ، وإنَّما الخلافُ في ترتّب أحكام الدنيا من توارُثٍ وغيره.

وبذلك يُعلم أن قول ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» 8: 286: «مذهب الشافعي أن إسلام الصبي غير مُخرِجٍ له من الكفر» ليس بصحيح، فضلًا عمَّا فيه من إساءة أدب مع سيدنا علي عليه السلام، وكون الرافضي المردود عليه أساء الأدب في حق الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم لا يُسوِّغ مقابلته بمثل صنيعه.

وعلى حاشية النسخة (ب) هنا فائدة وهي: «ارتدادُ الصبيِّ العاقل صحيحٌ كإسلامه عندهما، وقال أبو يوسف: ارتدادُه ليس بصحيح، ويُجبَر الصبيِّ على الإيمان، ولا يُقتَل إن أبى، والجبرُ أعمُّ من الحبس والتهديد ونحوه. ملخصًا من ملا مسكين. قوله: «لا يُقتَل» لأنه ليس مخاطبًا بالفروع التي عُلِمَت بمجيء الرسول، وهذا يتمشَّى على قول مشايخ العراق بأن وجوب الإيمان بالعقل، ووجوب الفروع بالرسول. وعند مشايخ بخارى وجوب الإيمان مع الفروع بالشرع مطلقًا، والصبي ليس بمخاطب لحديث: «رُفِعَ القلم» فلا يُحكَم بكفره على قولهم». اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت