ووجوبُ الإيمان بالعقل مرويٌّ عن أبي حنيفة رحمه الله، فقد ذكر الحاكمُ الشهيدُ في «المنتقى» (1) أنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: لا عُذرَ لأحدٍ في الجهلِ بخالِقِه لِمَا يرى من خَلقِ السماواتِ وخَلقِ نفسِه وغيرِه. وروي أنه قال: لو لم يُبعَثْ رسولٌ لوَجَبَ على الخلقِ معرفتُه بعقولهم. وعليه مشايخنا (2) .
(1) الحاكم الشهيد: هو محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد المروزي السلمي الوزير الشهيد، أبو الفضل البلخي، قاضي بخارى وإمام الحنفية في عصره، كان فقيهًا محدِّثًا، قال السمعاني: كان يحفظ ستين ألف حديث، وتصانيفه تدل على كمال فضله كـ «الكافي» و «المنتقى» . وقال الحاكم في «تاريخ نيسابور» : ما رأيت في جملة مَن كتبتُ عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظَ للحديث وأهدى إلى رسومه وأفهمَ له منه. قُتِلَ شهيدًا سنة 334 رحمه الله تعالى. قال الكفوي (ت990) في «كتائب الأخيار» : «الكافي» و «المنتقى» أصلان من أصول المذهب بعد كتب محمد، ولا يوجد «المنتقى» في زماننا. له ترجمة في «الجواهر المضية» للقرشي 3: 313 ــ 315، و «الفوائد البهية» للكنوي ص185.
(2) أي: عامَّتُهم، وهو المشهور عن الإمام أبي حنيفة. قال الإمام ابن الهمام رحمه الله في «المسايرة» ص185: وقال أئمة بخارى: لا يجب إيمانٌ ولا يحرم كفرٌ قبل البعثة كقول الأشاعرة، وحملوا المرويَّ عن أبي حنيفة على ما بعد البعثة، وهو ممكنٌ في العبارة الأولى =
= دون الثانية. وقال في «التحرير في أصول الفقه» : وحينئذ فيجب حمل الوجوب في قوله: «لوجب على الخلق معرفته بعقولهم» على معنى: ينبغي، أي: الذي ينبغي أن يُفعَل.