الصفحة 36 من 141

وقالت المعتزلةُ: العقلُ يُوجِبُ الإيمانَ وشُكرَ المُنعِم وقُبحَ الكفر، ويَعرِفُ بذاته حُسنَ الأشياء، ويُثبِتُ الأحكام [حسب] (1) ما يقتضيه صلاحُ الخلق.

وقال أصحابُنا رحمهم الله تعالى: العقلُ آلةٌ يعرفُ حُسنَ بعضِ الأشياءِ وقُبحَه، ووجوبَ الإيمانِ وشكرِ المُنعِم (2)

(1) كلمة «حسب» ليست في الأصول الثلاثة، وأضفناها لتوضيح المعنى.

(2) قال العلامة قاسم بن قُطلُوبُغا رحمه الله تعالى في حاشيته على «المسايرة» ص176: مذهب الماتريدية يُخالف مذهب المعتزلة من وجوه: أحدها: أن المعتزلة قد قرروا أن العقل يُدرك الحسن أو القبح في الفعل، ويُدرِك الحكم المترتِّب على أحدهما من غير توقّف على الشرع، والماتريدية قالوا: العقل يُدرك الحسن أو القبح، ولا يقضي في شيء بمقتضى ما أدركه، بل ينتظر ورود الشرع بهذا القضاء، فالعقل عند المعتزلة حاكم، وعند الماتريدية آلة للبيان وسبب الحكم.

الوجه الثاني: أن الماتريدية لم يقولوا بما قال به المعتزلة مما استلزمه كلامهم (يعني =

= وجوب فعل الأصلح والرزق والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية على الله، وبيانه ــ كما في حاشية النسخة (ب) ــ: أن العقل عند المعتزلة إذا أدرك الحُسنَ والقُبحَ يُوجِبُ بنفسه على الله تعالى وعلى العباد مقتضاهما، وعند الحنفية الموجِبُ هو الله، والعقلُ آلةٌ يُعرَف به ذلك الحكمُ بواسطة إطلاعه على الحُسن والقُبح الكائنين في الفعل).

الوجه الثالث: أن العقل مُدرِكٌ للحسن والقبح في جميع الأفعال عند المعتزلة على الوجه الذي قررناه، وعند الماتريدية لا يُدرِكهما في جميع الأفعال، وإنما يُدرِكُهما في بعضها دون البعض.

وقال ص179: والفرق بين مذهبنا ومذهب الأشاعرة من وجهين: أنه قد يعرفُهما العقل بخلق الله تعالى العلمَ بعد توجُّهه بلا كسب أو معه، وإن لم يرد الشرع، ومن الواجب القول بذلك فيما يتوقف الشرع عليه كوجوب تصديق النبي، وإن كان في أول أقواله مثلًا، وحرمة تكذيبه، وإلا لزم الدور أو التسلسل. وأنه بعد ورود الشرع آلةٌ لمعرفة حُسنِ ما ورد به الشرعُ أو قُبحِه، لا فهم الخطاب وصدق الناقل فقط، فالعقل ليس بمعتبر كل الاعتبار في مواجب التكليف، لأن الأفعال مسندة إلى الله خلقًا، ولأن الوهم يُعارِضُه كثيرًا، فلا يُكلَّف بالإيمان العاقل قبل البلوغ ولا من نشأ في شاهق جبل قبل إدراك الدعوة وزمان التجربة، فلا يُعذَّبان إن لم يعتقدا كفرًا ولا إيمانًا خلافًا للمعتزلة.

واقتصر العلامة ابن أبي شريف رحمه الله في «المسامرة في شرح المسايرة» ص 183 على الوجه الأول إلا أنه زاده توضيحًا فقال: والفرق بين الأشاعرة والماتريدية: أن الأشاعرة قائلون بأن العقل لا يعرف حكمًا من الأحكام إلا بعد بعثة نبي، أما الماتريدية فيقولون إن العقل قد يعرف بعض الأحكام قبل البعثة بخلق الله تعالى العِلمَ به: إما بلا كسب كوجوب تصديق النبي وحرمة الكذب الضار، وإما مع كسب النظر وترتيب المقدمات، وقد لا يُعرف إلا بالكتاب والنبي كأكثر الأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت