، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفرايني. وإن كان ظاهرُ كلامِه في هذا الكتاب يدلّ على أن الإيمانَ مجموعُ الجزأين: الإقرارِ والتصديق.
فإن قيل: على كلا التقديرين، شَطرًا كان أو شَرطًا، لِمَ قدَّمَ الإقرارَ على التصديق، فإنَّ الإقرارَ وإن كان جزءًا لكنه يحتملُ السقوطَ بعُذرِ الإكراه، والتصديقُ لا يحتملُه؟
أجيبَ: بأن التصديقَ القلبيَّ لمَّا كان أمرًا باطنًا لا يُطَّلعُ عليه، وكان الإقرارُ باللسان دليلًا على ذلك كما سيجيء تقريرُه (1) ، قُدِّمَ على التصديق، ويُمكِنُ أن يكون هذا مَحمَلَ قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بِضعٌ وسبعون شُعبةً، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق» (2) ، لم يذكر التصديق وإن كان هو الأصل.
وأما وجوبُه فقد اختلفوا في طريقه، هل هو واجبٌ عَقلًا أو سَمعًا، فذهبت المعتزلةُ إلى الأول، والأشاعرةُ إلى الثاني.
واختلفوا أيضًا في أنه هل يُعرَفُ حُسنُ الإيمان وشُكرُ المُنعِم وقُبحُ الكفر عقلًا أو لا؟ فقالت الأشاعرةُ والمُشبِّهةُ والخوارجُ والملاحدةُ والرافضةُ: لا يجبُ بالعقل شيءٌ، ولا يُعرَفُ به حُسنُ الإيمان وقُبحُ الكفر، وإنما يُعرَفُ بالشرع (3)
(1) انظر ما سيأتي ص66 ــ 67.
(2) أخرجه البخاري (9) ، ومسلم (35) ، وأبو داود (4676) ، والترمذي (2614) ، والنسائي 8: 110 (5004) و (5005) ، وابن ماجه (57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي بعض ألفاظه: «بضع وستون» ، وفي بعضها: «بضع وستون أو سبعون» على الشك.
(3) يرى الأشاعرة أنه ليس للفعل نفسِه حُسنٌ وقُبحٌ ذاتيان، ولا لصفة تُوجِبهما، بل حُسنُ الفعل هو ورودُ الشَّرع بإطلاقه، أي الأذنُ لنا فيه، وقُبحُه ورودُ الشرع بمنعه.
والعقل عندهم ليس بحاكم بالأحكام التكليفية من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ?لِئَلّا يَكُونَ للنَّاسِ عَلى الله حُجَّةٌ =
= بَعْدَ الرُّسُلِ? [النساء: 165] ،وجه الاستدلال: أنه لو كان العقلُ حُجَّةً على الناس في الأحكام لمَّا علّق الله الحجَّة على الرسل.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبعَثَ رَسُولًا? [الإسراء: 15] ، وجه الاستدلال: أن العذاب لا يقع إلا على مَن بلغته دعوة الرسول، فلو وجب الإيمانُ بالعقل لوجب قبل البعثة وفي كل زمان وترتَّب عليه العقاب، لأنه لا معنى للوجوب إلا هذا، ولكن لا يترتب العقاب على من لم يؤمن قبل البعثة بنص الكتاب العزيز، فبطل الوجوب بالعقل، لأنه إذا بطل الوجوبُ العقليُّ في زمن، بطل في غيره، لأن ما كان واجبًا عقلًا لا ينقلب ولا يتغير، وإلا انقلبَ الواجبُ ممكنًا، وهو محال.