الصفحة 8 من 70

ومن الأدلة أيضًا:- حديث أنس - رضي الله عنه - قال:- جاء ثلاثة نفر إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته, فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها, فقالوا:- أين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد غفر الله له ماتقدم من ذنبه وماتأخر فقال أحدهم:- أنا أصلي الليل أبدًا, وقال الآخر:- وأنا أصوم الدهر أبدًا, وقال الآخر:- وأنا لاأتزوج النساء, فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم وقال (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا, فوالله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له ولكن أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )"متفق عليه"وهذا من الأحاديث العظيمة وهو قاعدة من قواعد هذه الشريعة المباركة- زادها الله شرفًا ورفعة- وهذه القاعدة تقول الشريعة مبناها على العدل في العقيدة والأحكام والعدل مظهر من مظاهر الوسطية العامة والخاصة, فهذه الشريعة مبنية على الوسط بل بعد أن قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج قال (( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )والمراد بالسنة هنا الطريقة فكأنه قال:- فمن أبى هذه الوسطية وانتقل عنها راغبًا عنها إلى غيرها فليس هو منه أي ليس على منهجه وليس على صراطه المستقيم ومآله في النهاية إلى الانقطاع, وهذا مايفيده الحديث, فإذا كان هذا الكلام قد قيل في بيان الوسطية المتعلقة بمسائل العمل من صيام وصلاة, وفيما يخص الإنسان ومتعته مما يتعلق بمسألة الزواج فكيف بالله عليك يقال فيما يتعلق بمسائل العقائد التي تتعلق بالإيمان بالله تعالى فإذا كانت الوسطية مطلوبة في مثل ذلك فلأن تكون مطلوبة في مسائل الاعتقاد من باب أولى, وهذا أسلوب استدلال يسميه أهل الأصول الاستدلال بالأدنى على الأعلى, فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين أهمية الوسطية في هذه المسائل المذكورة في الحديث, وحكم على المخالف فيها بأنه ليس منه, من باب التنبيه على أن ماكان أعلى منها فهو أحق بهذا القول ويدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت