و هو أمر قد سبق إليه علم الله .. علم الحصر لا علم الإلزام .. فالله لا يلزم أحدًا بخطيئة و لا يقهره على شر .. و إنما كل واحد يتصرف على وفاق طبيعته الداخلية فعله هو ذاته .. و ليس في ذلك أي معنى من معاني الجبر .. لأن هذه الطبيعة الداخلية هي التي نسميها أحيانًا الضمير و أحيانًا السريرة و أحيانًا الفؤاد و يسميها الله (( السر ) ).
(( يعلم السر و أخفى ) ).
و نقول عنها في تعبيراتنا الشعبية عن الموت (( طلع السر الإلهي ) )أي صعدت الروح إلى بارئها ..
هذا السر المطلسم هو ابتداء حر و مبادرة أعتقها الله من كل القيود ليكون فعلها هو ذاتها و ليكون هواها دالًا عليها .
و من هنا لا يصح القول بالحتميات في المجال الإنساني أمثال حتمية الصراع الطبقي و الجبرية التاريخية لأن الإنسان مجال حر و ليس مسمارًا أو ترسًا في ماكينة .
و كما لا يمكن التنبؤ بما يأتي به الغد في حياة فرد فإنه يستحيل القول بالحتم أو الجبر في مجال المجتمعات و التاريخ .. و كل ما يمكن القول به هو الترجيح و الاحتمال بناء على مقدمات إحصائية .. و هو ترجيح يخطئ و يصيب و يحدث فيه تفاوت في طرفيه .. فمعدل عمر الإنسان في انجلترا مثلًا هو ستون سنة .. و هذا المعدل معدل إحصائي مأخوذ من متوسطات أرقام .. و هو غير ملزم بالنسبة للفرد , فقد يعيش فرد مثل برناردشو في انجلترا أكثر من تسعين سنة و يتجاوز المعدل . و قد يموت في سن العشرين في حادثة . و قد يموت و هو طفل بمرضٍ معدٍ .. ثم إن المعدل ذاته قابل للتذبذب من طرفيه صعودًا و هبوطًا من سنة لأخرى .. فلا يصح القول بالحتمية و الجبر في هذا الموضوع .. و لا يجوز إخضاع المجال الإنساني سواء كان فردًا أو مجتمعًا أو تاريخًا لقالب نظري أو معادلة أو حسبة إحصائية أو فرض فلسفي .