فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 321

وإذا جاؤوكم قالوا:آمنا . وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به . والله أعلم بما كانوا يكتمون . وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان . وأكلهم السحت , لبئس ما كانوا يعملون ! لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت . لبئس ما كانوا يصنعون ! وقالت اليهود:يد الله مغلولة . . غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ; بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء - وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا , وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة , كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . ويسعون في الأرض فسادا . والله لا يحب المفسدين . .

إنها عبارات تنشى ء صورا متحركة مشاهد حية - على طريقة التعبير القرآنية الفريدة - ومن وراء القرون يملك قارى ء هذه الآيات أن يشهد - بعين التصور - هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود - على الأرجح - فالسياق يتحدث عنهم , وإن كان من الجائز أنه يعني كذلك بعض المنافقين في المدينة . . يشهدهم يجيئون للمسلمين فيقولون:آمنا . . ويشهد في جعبتهم"الكفر"وهم يدخلون به ويخرجون ; بينما ألسنتهم تقول غير ما في الجعبة من كفر يحملونه داخلين خارجين !

ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض:آمنوا بهذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون . . أي لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك الخبيث اللئيم .

(والله أعلم بما كانوا يكتمون) . .

يقولها الله - سبحانه - لأنها الحقيقة ; ثم لكي يطمئن المؤمنون إلى كلاءة ربهم لهم , وحفظهم من كيد عدوهم ; وإحاطته علما بهذا الكيد المكتوم , ثم ليهدد أصحاب هذا الكيد لعلهم ينتهون !

ويمضي السياق يرسم حركاتهم كأنها منظورة تشهد وتلحظ من خلال التعبير:

(وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان , وأكلهم السحت . لبئس ما كانوا يعملون) . .

والمسارعة مفاعلة تصور القوم كأنما يتسابقون تسابقا في الإثم والعدوان , وأكل الحرام . وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع , ولكنها تصور حالة من حالات النفوس والجماعات حين يستشري فيها الفساد ; وتسقط القيم ; ويسيطر الشر . . وإن الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت إلى مثل هذه الحال , فيرى كأنما كل من فيها يتسابقون إلى الشر . . إلى الإثم والعدوان , قويهم وضعيفهم سواء . . فالإثم والعدوان - في المجتمعات الهابطة الفاسدة - لا يقتصران على الأقوياء ; بل يرتكبهما كذلك الضعفاء . . فحتى هؤلاء ينساقون في تيار الإثم . وحتى هؤلاء يملكون الاعتداء ; إنهم لا يملكون الاعتداء على الأقوياء طبعا . ولكن يعتدي بعضهم على بعض . ويعتدون على حرمات الله . لأنها هي التي تكون في المجتمعات الفاسدة الحمى المستباح الذي لا حارس له من حاكم ولا محكوم ; فالإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد ; والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات !

وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام . . وكذلك أكلهم للحرام . . فأكل الحرام كذلك سمة يهود في كل آن !

(لبئس ما كانوا يعملون) !

ويشير السياق إلى سمة أخرى من سمات المجتمعات الفاسدة ; وهو يستنكر سكوت الربانيين القائمين على الشريعة , والأحبار القائمين على أمر العلم الديني . . سكوتهم على مسارعة القوم في الإثم والعدوان وأكل السحت ; وعدم نهيهم عن هذا الشر الذي يتسابقون فيه:

(لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ! لبئس ما كانوا يصنعون !) . .

فهذه السمة - سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان - هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار . . وبنو إسرائيل (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) . . كما حكى عنهم القرآن الكريم . .

إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . أن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ; وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي , ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .

وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس , تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ووصف بني إسرائيل فقال: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) . . فكان ذلك فيصلا بين المجتمعين وبين الجماعتين .

أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار , الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت ; الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله .

وإنه لصوت النذير لكل أهل دين . فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; والأمر كما قلنا من قبل في الظلال , يقتضي"سلطة"تأمر وتنهى , والأمر والنهي أمر غير الدعوة . فالدعوة بيان , والأمر والنهي سلطان . وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع ; فلا يكون مطلق كلام !

وفي التفسير الوسيط:

قال القرطبي: قال ابن عباس:"جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل - عليهم السلام - فقال: نؤمن بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: ونحن له مسلمون". فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته ، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرًا من دينكم . فنزلت هذه الآية وما بعدها .

وتنقمون معناه: تسخطون . وقيل تكرهون . وقيل تنكرون . والمعنى متقارب يقال: نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر . . وفي التنزيل وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . وانتقم منه أي: عاقبة: والاسم النقمة والجمع نقم .

والاستفهام ، للانكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم .

والمعنى: قل يا محمد على سبيل التوبيخ لأهل الكتاب ، والتعجيب من أحوالهم قل لهم: { ياأهل الكتاب } يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ } أي: ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا { إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله } الذي يجب الإِيمان به ، والخضوع له ، لأنه الخالق لكل شيء ، وآمنا بما أنزل إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية كالتوراة والإِنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه قبل إنزال القرآن الكريم .

ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر ، بل يمدح ويشكر ، ولكن لأن { أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } - أي: خارجون عن دائرة هذا الإِيمان الحق - كرهتم منا ذلك ، وأنكرتموه علينا ، وحسدتمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه ويرضاه .

وقال الجمل ما ملخصه: وقوله: { إِلاَّ أَنْ آمَنَّا } مفعول لقوله { تَنقِمُونَ } بمعنى تكرهون .

وهو استثناء مفرغ . وقوله: { منا } متعلق به . أي ما تكرهون من جهتنا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى . تقول: نقمت عليه بكذا . وإنما عدي هنا بمن؛ لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت