الصفحة 29 من 163

والمراد بالإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام: هو الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي به يكون المرء مسلمًا، ولو كان جاهلًا بتفاصيل الدين؛ لأن هذا قد لا يقوم به إلا العلماء وطلبة العلم.

أما منقصات التوحيد: فهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت عند المسلم قدحت في توحيده ونقص إيمانه، ولم يخرج من دين الإسلام، وهي المعاصي التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر أو النفاق الأكبر، وعلى رأسها: وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والكفر الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدعة.

فائدة

إذا علم ما تقدم من النواقض التي تحبط الأعمال وتجعل صاحبها من الخالدين في النار، فليعلم أن المسلم قد يقول قولًا أو يفعل فعلًا قد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على أنه كفر ورده عن الإسلام، ولكن لا تلازم عند أهل العلم بين القول بأن هذا كفر وبين تكفير الرجل بعينه.

فليس كل من فعل مكفرًا حكم بكفره؛ إذ القول أو الفعل قد يكون كفرًا، لكن لا يطلق الكفر على القائل أو الفاعل إلا بشرطه؛ لأنه لا بد أن تثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفى موانعه؛ فالمرء قد يكون حديث عهد بإسلام، وقد يفعل مكفرًا ولا يعلم أنه مكفر، فإذا بُيِّنَ له؛ رجع وقد ينكر شيئًا متأولًا أخطأ بتأويله وغير ذلك من الموانع التي تمنع من التكفير.

وهذا أصل عظيم، يجب تفهمه والاعتناء به؛ لأن التكفير ليس حقًّا للمخلوق، يكفر من يشاء على وفق هواه، بل يجب الرجوع في ذلك إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، فمن كفّره الله ورسوله، وقامت عليه الحجة؛ فهو كافر، ومن لا فلا.

وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: (أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت؛ أوصى بنيه؛ فقال: إذا أنا مُتُّ؛ فأحرقوني، اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر، فو الله، لئن قدر عليَّ ربي؛ ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا". قال:"ففعلوا ذلك به، فقال للأرض أدى ما أخذت. فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب(أو قال مخافتك) ! فغفر له بذلك).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أولى بالمغفرة من مثل هذا) . [1]

وقال رحمه الله: (وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرا فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا كما في نصوص الوعيد فإن الله سبحانه وتعالى يقول:(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (النساء 10) ، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع فقد لا يكون التحريم بلغه وقد يتوب من فعل المحرم وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع). [2]

والحاصل أن مذهب أهل التحقيق التفريق بين تكفير الفعل وبين تكفير الفاعل، وكذلك الأمر في التبديع هناك فرق بين تبديع القول أو الفعل وبين تبديع القائل أو الفاعل فليس كل من فعل بدعة صار مبتدعًا.

ومن نظر في سيرة السلف؛ عرف حقيقة هذا القول، وعلم أن مذهبهم وهذه طريقتهم، ورأى ما هم عليه من العدل والإنصاف وقول الحق والحرص على هداية الخلق، لما خصهم الله به من العلم النافع والعمل الصالح،

(1) مجموع الفتاوى، 3/ 231.

(2) المصدر السابق، 23/ 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت