اختلاف مدلولات الإيمان والتوحيد والعقيدة
الإيمان والتوحيد والعقيدة أسماء لمسميات تختلف في مدلولاتها بعض الاختلاف، ولكنها ترجع إلى شيء واحد.(التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والإيمان هو الإيمان بأنه مستحق للعبادة، والإيمان بكل ما أخبر به سبحانه، فهو أشمل من كلمة التوحيد، التي هي مصدر وحد يوحد، يعني أفرد الله بالعبادة وخصه بها؛ لإيمانه بأنه سبحانه هو المستحق لها؛ لأنه الخلاق؛ لأنه الرزاق؛ ولأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ ولأنه مدبر الأمور والمتصرف فيها، فهو المستحق للعبادة، فالتوحيد هو إفراده بالعبادة ونفيها عما سواه، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، والعقيدة تشمل الأمرين، فالعقيدة تشمل التوحيد، وتشمل الإيمان بالله وبما أخبر به سبحانه أو أخبر به رسوله، والإيمان بأسمائه وصفاته.
والعقيدة: هي ما يعتقده الإنسان بقلبه ويراه عقيدة يدين الله بها ويتعبده بها، فيدخل فيها كل ما يعتقده من توحيد الله والإيمان بأنه الخلاق الرزاق وبأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والإيمان بأنه لا يصلح للعبادة سواه، والإيمان بأنه حرم كذا وأوجب كذا وشرع كذا ونهى عن كذا، فهي أشمل). [1]
قال الشيخ العثيمين: (الإيمان والتوحيد شيئان متغايران وشيئان متفقان، فالتوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ولهذا قال العلماء رحمهم الله إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وأن هذه الأقسام جاءت في قول تعالى(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم 65) ، فقوله (رب السماوات والأرض وما بينهما) يعني توحيد الربوبية، وقوله (فاعبده واصطبر لعبادته) يعني توحيد الألوهية، وقوله (هل تعلم له سميا) يعني توحيد الأسماء والصفات).
و (الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وعلى هذا فالموحد لله مؤمن به والمؤمن بالله موحد له لكن قد يحصل خلل في التوحيد أو في الإيمان فينقصان ولهذا كان القول الراجح أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص في حقيقته وفي آثاره ومقتضياته فالإنسان يجد من قلبه أحيانًا طمأنينة بالغة كأنما يشاهد الغائب الذي كان يؤمن به وأحيانًا يحصل له شيء من قلة هذا اليقين الكامل وإذّا شئت أن تعرف أن اليقين يتفاوت فاقرأ قول الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة 260) كما أنه أيضا يزيد بآثاره ومقتضياته فإن الإنسان كلما ازداد عملا صالحا ازداد إيمانه حتى يكون من المؤمنين الخلص). [2]
وقال:(التوحيد: هو إفراد الله عز وجل بما يختص به ويجب له. والإيمان: هو التصديق المتضمن للقبول والإذعان. وبينهما عموم وخصوص فكل موحد مؤمن وكل مؤمن موحد بالمعنى العام.
ولكن أحيانًا يكون التوحيد أخص من الإيمان، والإيمان أخص من التوحيد. والله أعلم). [3]
تفاضل الناس في التوحيد والإيمان
(الناس يتفاضلون في التوحيد، تفاضلا عظيما، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض. فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار، وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان؛ وهم في
(1) مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (المتوفى 1420 هـ) ، أشرف على جمعه وطبعه محمد بن سعد الشويعر، 6/ 217 - 218.
(2) فتاوى نور على الدرب / السؤال 315، الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى: نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة الاصدار 3.48.
(3) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين/ ج 1، العقيدة، التوحيد، المسألة (2) ، نسخة الكترونية، المكتبة الشاملة الإصدار 3.1.