الصفحة 27 من 98

الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا. [1]

قلت: إن الله جل جلاله لا يدعى إلا بأسمائه الحسنى خاصة، فلا يدعى ولا يسمى بالمريد والمتكلم، وإن كان معناهما حقًا، فإنه يوصف بأنه مريد متكلم، ولا يسمى بهما، لأنهما ليسا من الأسماء الحسنى، فإن من الكلام ما هو محمود ومذموم [2] ، كالصدق والكذب، ومن الإرادة كذلك كإرادة العدل والظلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة ومعناهما حق ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) ?ھ. [3]

الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها. [4]

قال الشيخ ابن عثيمين في شرحه على صحيح البخاري المخطوط ص 12:

(كل أسماء الله حسنى ولذلك قال الله تعالى:(وله الأسماء الحسنى) والحسنى اسم تفضيل يقابله في المذكر أحسن يقال رجل أحسن وامرأة حسنى، وهنا قال الأسماء الحسنى فجعل الوصف وصف مؤنث لأن الأسماء جمع والجمع يوصف بالمؤنث إلا جمع العاقل فيوصف بحسب ما يقتضيه المعنى، إن كان للذكور فجمع مذكر سالم وإن كان للإناث فجمع مؤنث سالم أما غير العاقل فإنه يجمع وصفه على جمع المؤنث، إذًا أسماء الله تعالى كلها حسنى والحسنى هي المشتملة على أكمل وجوه الحسن فهي حسنى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه فيفهم من هذه القاعدة:

أنه لا يوجد في أسماء الله اسم يحتمل معنيين، معنى حسن ومعنى غير حسن ولهذا لم يكن من أسماء الله المتكلم ولا من أسمائه المريد مع أنه متكلم مريد، قال العلماء: لأن المتكلم من قام به الكلام والكلام قد يكون حسنًا وقد يكون سيئًا وكذلك الإرادة ولهذا لا يصح أن نسمى الله بالمتكلم أو نسمى الله بالمريد لكن يوصف بأنه متكلم وأنه مريد لأن باب الإخبار أوسع من باب التسمية لأن التسمية إنشاء تنشأ اسما للمسمى الذي تريد أن تسميه لكن الإخبار مجرد خبر ليس بإنشاء ولذلك قالوا الإخبار أوسع من الإنشاء فقد يخبر عن الشيء بشيئين ولا يسمى به مثل المتكلم وحينئذ يمكن أن نقسم ما يضاف إلى الله عز وجل إلى أربعة أقسام:-

القسم الأول:- ما تضمن كمال الحسن فهذا يكون من أسمائه 0

القسم الثاني: ما كان حسنًا من وجه دون وجه فهذا يخبر به عنه ولا يسمى به.

القسم الثالث: - ما كان محمودًا في حال دون حال فهذا يوصف به في الحال التي يكون فيها محمودًا ولا يسمى به على الإطلاق مثل المكر والخداع والاستهزاء والكيد هذه أوصاف إن ذكرت في مقابل من يعامل بهذه الأوصاف صارت أوصافًا محمودة ويوصف الله بها وإلا فلا، فمثلًا المكر وصف الله نفسه بأنه يمكر ولكن وصفًا مقيدًا بمن يمكر به فقال (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فلا يصح أن تقول إن الله

(1) بدائع الفوائد - 1 / ص 284.

(2) قلت: المتكلم قد يتكلم بخير وقد يتكلم بشر فلا يسمى الله به لأن أسماءه لا تحمل النقص ولو بالتقدير.

(3) شرح العقيدة الأصفهانية ص 19.

(4) بدائع الفوائد - 1 / ص 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت