أمَّا إذا كانَ القانونُ والدِّينُّ غيرَ ثابتينِ، وكانا متطورينِ، فإنه يعني أنَّ الزنا كانَ بشعًا في فترةٍ من الفتراتِ، ولكنَّ الزنا الآنَ في عرفِ الذينَ يقولونَ بتطوِّر الأخلاقِ- مثل ُ ( فرويد ) - ضرورةً بيولوجيةً لا بدَّ منها.
وكذلك سترُ العوراتِ وتغطيةُ اللحم باللباسِ -خاصةً من قبلِ النساء- كانَ أمرًا طبيعيًا وثابتًا في الأخلاقِ والأديانِ، ويبقَى ثابتًا إلى يوم الدينِ، أمَّا في الأخلاقِ المتطورةِ فلقدْ كانَ سترُ العورة ِمستحسنًا في عصرٍ منَ العصورِ، ثم جاءَ القرنُ العشرينُ ورأى أنَّ سترَ العورةِ شيءٌ مستقبحٌ، وأصبحَ أصحابَهُ ينادونَ بكشفِ العورة ِ في أجهزةِ إعلامهِم وأبواقهِم التي تفوحُ منها رائحةُ الخبثِ والكيدِ والغدرِ بهذا الكائن ِالإنسانيِّ الذي يريدونَ تحطيمَهُ.
وثباتُ العقيدةِ يضعُ ميزانًا ثابتًا يقيسُ الناسَ، فالميزانُ واحدٌ، الكيلو في هذا الميزان تساوي (1000) غم، فإذا جئنا نزنُ شخصًا فإننا نضعُه في هذا الميزانِ الواحدِ ، ونضعُ مقابلَهُ كيلواتٍ حتى نعرفَ وزنهُ، وهنا يكونُ الحكم صحيحًا على وزن جميع الناسِ، لأن َّالوزنَ واحدٌ والعيارَ واحدٌ، فإذا جاءَ قومٌ وغيَّروا الميزانَ، وقالوا عن الكيلو إنها قنطارٌ، فإنَّ الشخصَ الذي يزنُ سبعينَ كيلو غرامًا في الميزانِ الأولِ هو نفسه يزنُ سبعين قنطارًا في الميزانِ الثاني، والشخصُ هو الشخصُ.
وعندما يختلفُ الميزانُ لا يمكنُ أن يكونَ الحكمُ صحيحًا ، ولذا فإنَّ الرجل عندَ الناس يكونُ مبجلًا مطاعًا محترمًا لأنه ثقيلٌ في ميزانهِم، ولكنْ عندما نضعُه في ميزانِ اللهِ الثابتِ فإنه قدْ لا يزنُ شيئا ، فمثلًا الوليدُ بنُ المغيرةِ كانتْ قريشٌ تعتبرهُ زعيمًا وتقول: { لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } . (الزخرف: 31)
ولكنَّ اللهَ تعالى يقول عنهُ وعن أمثالِه: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) [القلم/10-15] ، ويقول: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } . (الأنفال: 55) .
فقريشٌ لا تقطعُ أمرًا إلا بعدَ استشارتهِ واستنصاحهِ، واللهُ يسميهِ دابةً، والمؤمنونَ يعتبرونَهُ دابَّةً، بلْ أقلَّ منَ الدابَّةِ: قال تعالى عنه وعن أمثاله: { أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } . (الأعراف: 179) , وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (22) سورة الأنفال .
وثباتُ العقيدة يجعلُها أصلًا يرجعُ الناس إليهِ حاكمُهم ومحكومُهم على السواء، والناسُ يستريحونَ ويسعدونَ، لأنَّ الحاكمَ لا يستطيعُ أن يظلمَ الناس، ويقولَ قبل أن يظلمَهم: غيرتُ القانونَ، ولا يستطيعُ المحكومونَ أن يقولوا للحاكمِ: نحن لا نعرفُ القانونَ لأنهُ جديدٌ.
ولكنه إذا كانَ ثابتًا، فإنَّ الناسَ يتربونَ منذُ نعومةِ أظفارهِم على معرفتهِ، ويكونُ النظامُ حيًّا في نفوسهِم، ويعيشُ في حسِّهم.فلا يستطيعُ الحاكمُ في الدِّينِ الربانيِّ أن ْيدعيَ أنَّ الظروفَ طارئةٌ، ولا أنْ