وقال السفاريني - رحمه الله -:"إن خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر ، ولم يحله عقل فوجب اعتقاده" [1]
المسألة الثالثة: السد ويأجوج ومأجوج
بنى ذو القرنين سد يأجوج ومأجوج ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم . وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا السد ، فقال تعالى: { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } ( سورة الكهف ، الآيتان: 94 ، 95) .هذا ما ورد في القرآن على بناء هذا السد .
أما مكانه: ففي جهة المشرق لقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ } (سورة الكهف ، الآية: 90 ) . [2]
وعلى كل حال فإن من واجب المسلم أن يؤمن بوجود قبيلين اسماهما المعرّبان يأجوج ومأجوج وبأنهما خلق عجيب من خلق اللّه من بني آدم وبأنهما يخرجان في آخر الزمان من كل حدب لأن ذلك مما ورد في القرآن بصراحة وقطعية ، ومما ورد عنه تفصيل في أحاديث وردت في كتب الأحاديث الصحيحة أيضا ولو لم تدرك أمرهم العقول العادية ، مع الوقوف عند ما وقف عنده القرآن ، والثابت من الأحاديث النبوية ومع الإيمان بأنه لا بد من أن يكون لذكرهم بالأسلوب الذي ذكروا به حكمة. [3]
لذا فإن البحث في تحديد مكان السد لا يهم كثيرا ؛ ولا يحصل بعدم معرفته خلل في الاعتقاد ؛ لأن المقصود بيان أن ما أخبرنا الله تعالى به ، وما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن سد يأجوج ومأجوج موجود إلى أن يأتي الوقت المحدد لدك هذا السدِّ - سواء أكان مادًّا أم معنويا - وخروج يأجوج ومأجوج ، وذلك عند دنو الساعة بهما في قوله عز وجل: { قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا } { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } (سورة الكهف ، الآيتان: 98، 99) ، كل ذلك: حقيقة يجب التصديق به .
وأما قول من قال بأنه ما زال موجودا بعد وجود كل وسائل الاتصال وكشف الفضاء ، وأنه هو الذي يمنعهم من الخروج استنادا لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي السَّدِّ ، قَالَ: يَحْفِرُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا ، قَالَ:
(1) - لوامع الأنوار ( 2 / 116 ) .
(2) - انظر: تفسير ابن كثير ( 5 / 195 ) .
(3) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (5 / 106)