وكان الإسلام قد أنشأ منهم أمة تطل من القمة السامقة على البشرية كلها في السفح ، في كل جانب من جوانب الحياة. في جيل واحد. عرف السفح وعرف القمة. عرف الجاهلية وعرف الإسلام. ومن ثم كانوا يتذوقون ويدركون معنى قول اللّه لهم:
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا» ..
ويقف المؤمن ثالثا: أمام ارتضاء اللّه الإسلام دينا للذين آمنوا .. يقف أمام رعاية اللّه - سبحانه - وعنايته بهذه الأمة ، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه .. وهو تعبير يشي بحب اللّه لهذه الأمة ورضاه عنها ، حتى ليختار لها منهج حياتها ..وإن هذه الكلمات الهائلة لتلقي على عاتق هذه الأمة عبئا ثقيلا ، يكافىء هذه الرعاية الجليلة .. أستغفر اللّه ..
فما يكافىء هذه الرعاية الجليلة من الملك الجليل شيء تملك هذه الأمة بكل أجيالها أن تقدمه .. وإنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة ، ومعرفة المنعم .. وإنما هو إدراك الواجب ثم القيام بما يستطاع منه ، وطلب المغفرة والتجاوز عن التقصير والقصور فيه.
إن ارتضاء اللّه الإسلام دينا لهذه الأمة ، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار .. وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل - بله أن يرفض - ما رضيه اللّه له ، ليختار لنفسه غير ما اختاره اللّه! .. وإنها - إذن - لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء ، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيا أبدا وقد رفض ما ارتضاه له اللّه .. ولقد يترك اللّه الذين لم يتخذوا الإسلام دينا لهم ، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين .. فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه ..
واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم اللّه .. فلن يتركهم اللّه أبدا ولن يمهلهم أبدا ، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون! [1]
وعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ فَقَالَ « آلْفَقْرَ تَخَافُونَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لاَ يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِزَاغَةً إِلاَّ هِيَهْ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ » . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَرَكَنَا وَاللَّهِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ. [2]
وقد شهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالبلاغ أصحابه في أكبر مجمع لهم يوم أن خطبهم في حجة الوداع خطبته البليغة فبين لهم ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ...أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 842)
(2) - سنن ابن ماجه- المكنز - (5 ) وصحيح الجامع (9) صحيح لغيره