إن الإيمان هو التسليم المطلق لأحكام اللّه ، والولاء المطلق لرسوله ، وما يقضى به .. وبغير هذا لا يكون إيمان ، ولا يعتدّ بدعوى من يدعيه!
وفى إضافة النبي الكريم إلى اللّه في قوله تعالى: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ » تشريف للنبى ، واستدعاء له إلى الحضرة العلية ليشهد هذا القسم العظيم ، وليكون شاهدا على هؤلاء الضالين المنافقين .. و « لا » النافية في قوله تعالى: « فَلا يُؤْمِنُونَ » هي توكيد للنفي السابق للقسم في قوله سبحانه: « فَلا وَرَبِّكَ » .. وقد فصل القسم بينهما. [1]
ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - صلى الله عليه وسلم - .
إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج اللّه ممثلا - في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين
وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة اللّه وسنة رسوله مكان بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبي بكر - رضي اللّه عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين: بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة للّه ورسوله ، في حكم الزكاة وعدم قبول حكم رسول اللّه فيها ، بعد الوفاة! وإذا كان يكفي لإثبات «الإسلام» أن يتحاكم الناس إلى شريعة اللّه وحكم رسوله .. فإنه لا يكفي في «الإيمان» هذا ، ما لم يصحبه الرضى النفسي ، والقبول القلبي ، وإسلام القلب والجنان ، في اطمئنان!
هذا هو الإسلام .. وهذا هو الإيمان .. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان! [2]
فما يمكن أن يجتمع الإيمان ، وعدم تحكيم شريعة اللّه ، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة. والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم «مؤمنون» ثم هم لا يحكمون شريعة اللّه في حياتهم ، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم .. إنما يدعون دعوى كاذبة وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع: «وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» . فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة اللّه من الحكام فحسب بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم اللّه من المحكومين ، يخرجهم من دائرة الإيمان ، مهما ادعوه باللسان. [3]
ثامنا- وجوب الإيمان بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح للأمة
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 827)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 687)
(3) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 895)