فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 559

وليس كذلك إيمان المؤمنين من أهل الكتاب .. إنه إيمان مرهق معقّد ، مركّب على قضايا من المقولات الفلسفية والمنطقية ، المبنية على معطيات مما وراء الطبيعة ، التي تدور بها رءوس العامة ، وتضطرب لها عقول العلماء .. فإذا آمن مؤمنهم باللّه كان بينه وبين اللّه حجب كثيفة من هذه المقولات ، التي لا يستطيع أن يرى اللّه من خلالها إلّا محاطا بضباب كثير من الشك والارتياب!!

فإيمانُ المسلمين باللّه ، إيمان .. وإيمان أهل الكتاب باللّه إيمان .. وبين الإيمانين بعدٌ بعيدٌ ، وبون شاسع .. ومن هنا كان ذكر إيمان المسلمين في هذا المقام تنويها بهذا الإيمان ، وعزلا له عن إيمان المؤمنين من أهل الكتاب ،ذلك الإيمان المشوب غير الخالص من العلل والآفات ، ولهذا جاء قوله تعالى: « وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ » جاء بعد « قوله تعالى: وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » داعيا أهل الكتاب أن يؤمنوا إيمانا مصححا مجددا ، كإيمان المسلمين .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ » .

وقد كشف القرآن الكريم عن حقيقة الإيمان الذي عليه أهل الكتاب .. فقال تعالى: « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ » (13: البقرة) أي أنهم إذا دعوا إلى الإيمان باللّه إيمانا بعيدا عن المماحكات والسفسطات ، وعن الألغاز والطلاسم ، التي تعمّي على الناس السبيل إلى الطريق المستقيم ـ إذا دعوا أن آمنوا كما آمن الناس ، إيمانا سمحا سهلا واضحا ـ أبوا وقالوا أنؤمن كما آمن السفهاء من الجهلة والعامّة ؟

وقالوا في أنفسهم: كيف يهتدي أحد إلى اللّه من هذا الطريق القريب ؟

إنّ اللّه بعبد بعيد ، متستر في حجب جلاله وبهائه ، فلا تناله الأبصار ، ولا تدركه العقول ، وإنه لا بد ـ والأمر كذلك ـ من دراسات وفلسفات ، وبحوث مضنية مرهقة ، حتى يمسك الدارسون ، والفلاسفة والباحثون بأذيال هذه الحقيقة الكبرى!

هكذا زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا.

وقال تعالى أيضا مشيرا إلى أهل الكتاب وإلى إيمانهم: « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » (8: البقرة) إنه إيمان مشوب بالشك ، ومختلط بالضلال .. فلا يعدّ ، ولا يحسب في الإيمان الصحيح بحال أبدا." [1] "

إن التعبير بكلمة «أُخْرِجَتْ» المبني لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا اللّه .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 547)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت