الصفحة 35 من 155

... وبيان ذلك أن تفرق بين الفهم المطلق ومطلق الفهم ، فأما الفهم المطلق فاتفق الفريقان جميعًا على أنه ليس بشرك في قيام الحجة ، والمراد بالفهم المطلق أي الفهم الكامل التام الذي يكون مؤثرًا في العمل كفهم أبي بكر وعمر وجلة الصحابة والسلف الصالح ، فإن هذا الفهم بهذا الاعتبار ليس بشرط في قيام الحجة عند العلماء قاطبة ، وأما مطلق الفهم وهو أدنى درجات الفهم فإنه شرط عند العلماء كافة ، والمراد بمطلق الفهم أي أن يعرف المراد سواءً امتثل أو لم يمتثل ، فأصحاب القول الأول إنما نفوا اشتراط الفهم المطلق ولكنهم لم ينفوا مطلق الفهم ، وأصحب القول الثاني إنما يريدون إثبات مطلق الفهم ، لكنهم لا يريدون الفهم المطلق ، وعليك أن تعرف أن أي آية فيها الأمر بالبلاغ فإن المراد بها البلاغ التام الذي لا يبقى معه لبس وذلك يرجع لأمرين: لوضوح القرآن ولكمال المبلغ ، فإذا اجتمع الأمران فإن البلاغ يكون حينئذٍ تامًا ، وأما الفقه المنفي في التي استدل بها أصحاب القول الأول فإنما هو الفقه المؤثر في النفس الموصل إلى الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور ، وأما مطلق الفقه فهو متحقق فيهم ، فالمشركون يعرفون معرفة يقينية المراد من كلام الله تعالى ( ألم تر ) إلى قوله تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعرٍ مجنون } ، وقوله تعالى: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ، وقوله تعالى: { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } ، وقوله تعالى: { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ، فالكفار يعرفون المراد من كلام الله تعالى ويفهمونه ويعرفون دلالاته وبخاصة القرآن الذي نزل بلغتهم ولسانهم الذي يتقنونه ، ولذلك كان يأخذ بمجامع قلوبهم وأسماعهم لكنهم لم يمتثلوا ما فيه ، بل كذبوه وكفروا به ، فعندهم مطلق الفهم لا الفهم المطلق ، والحجة يكفي لقيامها مطلق الفهم ، فإذا سمعت القرآن وعرفت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت