... وذهب جمع من أهل العلم - رحمهم الله تعالى - إلى أنه لا تقوم الحجة إلا بمجموع البلوغ والفهم ، واستدلوا بأدلة كثيرة أذكر منها ما يلي:
... الأول: قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } فأخبر - جل وعلا - أنه أنزل الذكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم والتبيين درجة من درجات الفهم ، فمن لم يفهم لم يتبين له ، وأما من تبين له فإنه لابد يكون قد فهم ، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا أن يبين للناس ما نزل إليهم فإنه يكون مأمورًا بتفهيمهم ما نزل إليهم ؛ ذلك لأن البيان درجة بعد الفهم ، والله أعلم .
... الثاني: قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب تبيانًا لكل شيء } وهو في وجه الاستشهاد وكسابقه .
... الثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } عمد عدي بن حاتم - رضي الله عنه - إلى عقالين ووضعهما عند وساده فصار يأكل وينظر إليهما فلما بنينا إذا الصبح قد طلع فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( إن وسادك لعريض إنما هو نور الفجر وظلمة الليل ) )ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقضاء ذلك اليوم ، مما يدل على أنه غير مكلف بذلك لعدم فهمه لهذه الآية . وهنا قد تحقق سماعه لكن تخلف الفهم لها ، فأسقط النبي - صلى الله عليه وسلم - القضاء ؛ لأن الحجة لم تقم عليه بهذه الآية لعدم فهمه لها ، مما يدل على اشتراط الفهم لقيام الحجة وهذا صريح في محل النزاع .