الصفحة 31 من 155

... الثامن: قوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجنهم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ... } الآية ، فأخبر - جل وعلا - أنه سلب الكافرين أدوات الفهم وعطلها عن وظائفها المعنوية ، فالقلب لا يفقه - أي لا يفهم - الكلام ولا يعرف معناه والعين لا تبصر الحق ، والأذن لا تسمع الهدى ، فأدوات الفهم عندهم معطلة ، ومع ذلك أخبر أنه ذرأهم لجهنم أي جعلهم حطبًا لها ووقودًا يحترقون فيها ، فلو كان الفهم شرطًا لقيام الحجة لما ذرأهم لجهنم ، لكن لما عذبهم مع عدم فهمهم دل ذلك على أن المشترط فقد إنما هو البلوغ وأن الفهم ليس يشترط ، والله أعلم .

... التاسع: قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } فلم يشترط إلا السماع فقط ، وما ذلك إلا لأن الفهم ليس بشرط ، وإنما هو السماع فقط ، والسماع هو المراد بالبلوغ ، والله أعلم .

... العاشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث الدعاة والرسل إلى ملوك الأقاليم المجاورة ولا يأمرهم إلا بالبلوغ فقط ، ولم ينقل عنه في نص واحدٍ أنه أوصاهم أن يتأكدوا من فهم السامعين مما يدل على أن الحجة قائمة على هؤلاء بمجرد البلاغ ، فدل على أن الفهم ليس بشرط ، والله أعلم .

... الحادي عشر: دعوى الإجماع على أن كل من بلغته دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن حجة الله عليه قائمة ، فكل من بلغه القرآن فليس بمعذور وإن لم يتحقق له فهمها ، والله أعلم .

... فهذه هي مجمل أدلتهم ويتبين منها أنها بنيت على أمور:

... منها: لفظ البلاغ وما تصرف منه ، فإن أصحاب هذا القول يرون أن البلاغ إنما هو مجرد وصول الكلام وسماعه لا فهمه ، فالفهم عندهم لا يتعلق بالبلاغ ، والأدلة السابقة لم تشترط إلا البلاغ فقط ، فاشتراط الفهم يعتبر اشتراط زائد على ما قضت به هذه الأدلة وعلى مشترطه الدليل ؛ لأنه خلاف الأصل .

... ومنها: ضعف النظر في أدلة أصحاب القول الثاني الآتية إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت