أخطأ مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم. (ص515) .
38.... والاختلاف المذموم كثيرًا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغيًا ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق، فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم. (ص515) .
39.... فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان، ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدي لما اختلف فيه من الحق. فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلًا وأقومهم قيلًا. وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقر بعضهم بعضًا عليه ويواليه ويناظره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني الناس عنه في أمور دينهم وديناهم بالتناظر والتشاور، وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة، والأقاويل المتباينة، وعرضت على الحاكم الذي لا يجوز وهو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه، وقصد طاعة الله ورسوله، فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه، والخطأ وما هو أقرب إليه، والخطأ وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة. وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقًا في الكلمة، ولا تبديدًا للشمل، فإن الصحابة - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصادقة والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنًا، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه.