الأمر الثاني، بما أن القصة القصيرة كما يبدو من اسمها، تعتمد القص القصير، فهي تغري بالكتابة وتوحي للوهلة الأولى، بسهولة اقتحامها. وهي سهولة ممتنعة بالطبع، ومحفوفة بمصاعب وتكاليف أن تكتب شيئا جميلا ودالا، ممتعا ومفيدا، في حيز لغوي قصير، أنت مسؤول فيه حتى على النقطة والفاصلة.
الأمر الثالث، إن القصة أصبحت منافسا أو قسيما مناظرا للشعر، إن النص الشعري يستوعب الأنا الغنائي، ولا يستوعب الواقع المحيط بهديره اليومي. والقصة القصيرة قادرة على النط على الحبلين والعزف على الوترين، الذات والمجتمع.
لكل هذه الأمور والحيثيات في نظري، كثر الإقبال على هذا الجنس الأدبي، كما كثرت الملتقيات والندوات والجمعيات المهتمة بشؤون وأسئلة القصة القصيرة.
لكن الإقبال لا يعني دائما، جودة الحصاد. وأخشى أن تقل القصة كلما كثر القاصون والقاصات على غرار قولة شوقي الشهيرة؛ (إذا كثر الشعراء قل الشعر) .
ذلك أن كثيرين يتعاملون مع القصة بخفة ويسر ولا يبذلون جهدا كبيرا في كتابتها، فيقصون أجنحتها بدل أن يستثمروا قصصيتها.
والملاحظ ألان، هو إقبال الأجيال الجديدة وحتى المخضرمة، على كتابة القصة القصيرة جدا، كفن سردي جديد نشأ على غفلة من القصة القصيرة كما نشأت هذه على غفلة من الرواية، وذلك استجابة لإيقاع التحولات السوسيوثقافية اللاهثة. وهو رهان إبداعي جديد متروك لشواهد الامتحان.