فكان ذلك معلما من معالم تلك الرسالية التي وسمت فكر الرجل وسلوكه، وبقيت ملازمة له طيلة حياته.
لقد أدرك منذ تلك المرحلة المبكرة أن المثقف لا يستمد مشروعية المكانة والرمزية التي يتمتع بها إلا إذا كان"مثقف الأمة"التي ينتمي إليها، حريصا على أداء حق كافة الفئات المجتمعية، بما فيها تلك"الشعبية"التي بدأ معها مدرسا للتفسير وعلوم القرآن، والأصول والبلاغة والفقه، في المساجد بقبيلته أولا، ثم في مساجد مراكش ابتداء من سنة 1931، وحين انتظم التدريس بالجامعة اليوسفية سنة 1939 التحق بها أستاذا مع مواصلة عقد حلق علمية بمساجد الكتبية وابن يوسف.
كما ظل يتجشم عناء السفر بعد ذلك بسنوات كل أسبوع بين مراكش والرباط مدة خمس سنوات وقد ناهز الستين من العمر، حين افتتحت دار الحديث الحسنية (سنة 1964) واظطلع فيها بتدريس مادة الحديث النبوي، حيث المهمة نفسها"التربية والتعليم"وإن على المستوى الأكاديمي، غير الشعبي العام هذه المرة، لكنه الإحساس بالمسؤولية نفسها، والسعي الدائم لأداء أمانة المجتمع.
ولأن الاستعمار لابد أن يصطدم مع كل قوة حية في المجتمع، محاولا إلغاءها أو الحد من تأثيرها، فقد جاء الاصطدام مع الشيخ سريعا، محنة واعتقالا ومنعا من الخطابة، بعد نفي الملك محمد الخامس وإصدار الفاروق مع ثلة من علماء مراكش فتوى"بضلال الباشا الكلاوي وأتباعه"، وامتناعه عن بيعة ابن عرفة. وحين أكره على كتابة وثيقة بخلاف ما يعتقد كتب فيها قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) . فلما جاء الاستقلال عاد