تطالعها فتجد علما غزيرا وضبطا علميا صارما ربما عز اليوم نظيره، ولغة قوية أخاذة، ممتنعة على التقليد في سجعها التلقائي الجميلغير أن العالم الرحالي الذي بلغ درجة الإتقان في الحديث، وبالرغم من ذلك الإنتاج الشفهي والدوري كله، لم ينشر له عمل علمي واحد في أي من العلوم الشرعية التي أتقنها، ولا في غيرها، هذا الرجل الذي ذاع صيته العلمي مشرقا ومغربا، وعرفه المغاربة مفسرا للقرآن الذي حفظه بالقراءات السبع، ومفتيا ومربيا ومدرسا لا في مراكش وحدها بل في عموم المغرب: مجالس علمه ودروسه الحسنية، وأستاذا جامعيا في معاهده وكلياته، لم يصدر كتابا واحدا طيلة حياة حافلة بالعلم، امتدت حوالي ثمانين سنة.
صحيح أنه كتب بعض الرسائل والتعليقات في غير مجال من مجالات العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، وقضايا الفكر الإسلامي، يبينها بقوله:"ولجامع الحروف مقالات وكلمات في شتى المواضيع والجهات، نشر جلها في مجلة"لسان الدين"التي يحررها صديقنا الأستاذ الفاضل السيد عبد الله كنون، وفتاوى فقهية، وأحكام شرعية ... ومطارحات أدبية ومغامرات سلبية أيام السواد والحداد، ومصارعة بين العدل والظلم، والحق والباطل، ... وطرر على توحيد الإمام ابن عاشر كتبتها عام 1360هـ/1941 ودعوتها"فتح العلي القادر على توحيد الإمام ابن عاشر"، وتعليق خفيف على مقدمة بداية المجتهد ونهاية المقتصد وسميته"الإعلام والإشادة بما انطوت عليه مقدمة البداية"..."، لكنه يخبرنا بأسف أنها ضاعت لتعذر الاحتفاظ بها في فترات ماضية من حياته"... لو كتب لها البقاء لأقرت العيون وأبهجت النفوس، وكانت فنا من فنون الأدب، ولكن الظروف لم تكن تساعد على الاحتفاظ به، ولا تشجع على وضع مثله، ولظروف الزمان والمكان أثر كبير في قيمة"