كان القاضي السلمي لين العريكة لا يستهويه الثأر لنفسه وإنما يكون غضبه للحق لا لشيء سواه وتلك لعمري صفة القاضي العادل الذي تستقيم به أحوال البلاد والعباد، ومن أخبار حلمه ما ساقه ابن عبد الملك في الذيل والتكملة من أن أبا العباس الجراوي الذي عرف بشدته وقسوته على مخالفيه نال منه في بعض أشعاره ورماه بالتخنث وبالغ في هجائه ومن قوله:
قينة في فاس تدعى عمرة
ذات حسن ودلال وخفر
نصف السن ولكن يرتجي
رد ما فات بتسويد الشعر
قل لها عني إذا لاقيتها
قولة تترك صدعا في الحجر
هبك كالخنساء في أشعارها أو كليلى هل تجارين الذكر؟
نبغت عمرة بنت ابن عمر
هذه - فاعتبروا- أم العبر
ورغم اجتراء أبي العباس على السلمي فإن أبا حفص «لسمو همته وعلو منصبه أعرض عنه ترفعا عن مقاولته وأنفة من الانحطاط إلى مشافهته» فما أبعد ما بينه وبين من يتخذ علو المنصب مطية لأذى الخلق واغتصاب حقوقهم، ونلمس في رده على الجراوي سموا أخلاقيا تقصر دون وصف معناه الأقلام، قال السلمي حين بلغه ذلك الهجاء: نهاني حلمي فما أظلم وعز مكاني فما أظلم
ولا بد من حاسد قلبه بنور مآثرنا مظلم