بغال عسكره قضى فيها على الخليفة بأداء يمين الاستحقاق فما كان منه إلا أن سلمها لرجل ادعاها لنفسه بالباطل دون أن تأخذه العزة بالإثم ودون أن يلجأ لسلطانه وقوته في حسم النزاع. و القاضي السلمي واحد من هؤلاء الذين شبوا على قول الحق وأنصفوا الناس من أنفسهم و ذويهم. يقول ابن عبد الملك في «الذيل والتكملة» : «كان مشكور السيرة, مشهور النزاهة والعدالة نبيه البيتة، كريم الطباع، أنقى لا يلبس إلا البياض» . و يقول ابن سعيد صاحب الغصون اليانعة «ومن المشهور عنه في قضائه العدل في الأحكام وقلة النزق عند اختلاف الخصام» .
ولد القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله السلمي بأغمات، حسب رواية المقري في أزهار الرياض ورواية ابن عبد الملك في الذيل والتكملة، وقيل إن أصله من مدينة فاس وبها استوطن في شبابه.
وكان ذا مكانة مرموقة بها، إليه يفزع الناس في الفتيا وأمور الدين، فنبه ذكره ثم صار من جلساء السلطان فأسند إليه خطة القضاء والخطابة.
وقد ابتلي السلمي ببعض المتزمتة الذين يعتقدون أن ليس في الدين فسحة للترويح عن النفس فتسقطوا عثراته وشغلوا أنفسهم بالبحث عن عوراته، ويبدو أنه أوجد لهم على نفسه سبيلا بأشعاره وغزله، وقد يظن البعض أن كل تغزل إنما يقصد به التوصل إلى امرأة بعينها ولعلهم يضعون لهذه المرأة في خيالهم أوصافا مخصوصة تهوي بغزل تلك الثلة من ذوي الأحاسيس المرهفة إلى حضيض الجريمة ليسهل بعد ذلك الإنكار عليهم، فهي ولا شك (حسب أخيلتهم) لا تحل للمتغزل إذ لا يكون التشهي مع القدرة على النكاح، وحسبهم في ذلك أن يستدلوا بقول الشاعر:
ما الحب إلا قبلة و غمز كف و عضد