قوله: (من) {أَن تَكْتُبُوهُ} أشار بذلك إلى أن قوله أن تكتبوه في تأويل مصدر مجرور بمن مقدرة معمول لتسأموا، والمعنى: لا تسأموا من كتابته وظاهره لزوم تقديره من، وليس كذلك لأن سئم يتعدى بنفسه وبحرف الجر فعلى عدم التقدير أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لتسأموا.
قوله: (لكثرة وقوع ذلك) علة للنهي أي لا يسأم من الكتابة من يكثر منه الحقوق فبالأولى من لم تكثر منه، وظاهر قوله أي ما شهدتم عليه أن الضمير في تكتبوه عائد على الشهود وهو معنى صحيح فبين أولًا كتابة المتداينين، وثانيًا كتابة الشاهدين لشهادتهما لتكون تلك الكتابة مذكرة لهما، ويصح أن يكون خطابًا للمتداينين ويؤول قول المفسر ما شهدتم بأشهدتم، قوله: {صَغِيرًا} (كانْ) قدر كان إشارة إلى أن صغيرًا أو كبيرًا خبران لكان المحذوف، قال ابن مالك:
ويحذفونها ويبقون الخبر…وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
وليس بمتعين بل يصح جعلهما حالين من الهاء في تكتبوه، قوله: (أي الكتب) أي المفهوم من أن تكتبوه على حد (اعدلوا هو أقرب للتقوى) .
قوله: {وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} هذا يؤيد ما ذكره المفسر أولًا من أن الضمير في تكتبوه عائد على الشهود.
قوله: (أي تشكوا في قدر الحق والأجل) أي فيلزم على ذلك إما ضرر المدين أو من له الدين.
قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً} إما بالرفع على أن تكون تامة، أو بالنصب على أنها ناقصة واسمها ضمير تكون قراءتان سبعيتان وحاضرة وتديرونها صفتان لتجارة، وهو وصف بالجملة بعد الوصف بالمفرد، عكس قوله تعالى:
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}
[الأنعام: 92] والاستثناء يحتمل أن يكون متصلًا من عموم الأحوال ويحتمل أن يكون منقطعًا وهو الأقرب، لأن ما بيع مناجزة ليس داخلًا تحت قوله إلى أجل مسمى، الآية قوله: (تقبضونها) راجع لقوله تديرونها وقوله ولأجل فيها راجع لقوله حاضرة، فهو لف ونشر مشوش، قوله: (أمر ندب) أي إرشاد لمصالح الدنيا لقطع النزاع، وهذا تقييد للاستثناء أي إن الاشهاد المذكور يكون في العقارات والأمور التي تبقى، وأما الاستثناء فمحله الأمور التي لا تبقى، قوله: (صاحب الحق) قدره إشارة إلى أن يضار اسم فاعل، وكاتب فاعل، وأصله يضارر، فلا ناهية ويضار مجزوم بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الأدغام، قوله: (بتحريف) أي من الكتابة بأن يزيد أو ينقص فيضر البائع أو المشتري، وقوله: (أو امتناع من الشهادة) أي يتركها حتى يأخذ عليها جعلًا مثلًا وذلك إضرار من الكاتب، والشهيد لصاحب الحق، قوله: (أو لا يضرهما صاحب الحق) أي فيضار مبني للمفعول، وكاتب وشهيد نائب الفاعل فأصله يضارر، قوله: (ما لا يليق في الكتابة) أي بأن يأمره بكتابه ما لم يطلع عليه أو يمتنع من إعطاء أجرته له، وقوله: (والشهادة) أي بأن يستشهد على ما لم يرد ويأخذه على مسافة القصر قهرًا من غير دفع شيء له يتمون به.