{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}
[ق: 38] .
قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} هذا من صفات السلوب والسنة هي النوم في العين وهي نوم الأنبياء.
قوله: {وَلاَ نَوْمٌ} عرف بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرًا عليه، تمنع حواسه الحركة وعقله الإدراك، إن قلت حيث كان منزهًا عن السنة فهو منزه عن النوم بالأول أجيب بأنه زيادة في الإيضاح، وأجيب أيضًا بأنه ذكر النوم لأنه ربما يتوهم من كونه يهجم قهرًا أنه يغلبه فلا يلزم من نفي السنة نفي النوم وهذا هو الأثم، لأنه لا يلزم من نفي الأخف نفي الأثقل. إن قلت: إن الملائكة أيضًا لا تأخذهم سنة ولا نوم فليس في ذكر هذه الصفة مزيد مزية. أجيب: بأن تنزه الملائكة عن النوم من إخبار الله فقط، وإلا فالعقل يجوزه عليهم بخلاف تنزه الله عنه، فالدليل العقلي قائم على تنزهه عنه.
قوله: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} كالدليل لما قبله، وأتى بما تغليبًا لغير العاقل لكثرته.
قوله: (ملكًا) بضم الميم معناه التصرف، وقوله وخلقًا أي إيجادًا، وقوله وعبيدًا أي مملوكين له (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) ولا نزاع في كون السماوات والأرض ملكًا لله، قال تعالى:
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}
[الزخرف: 9] وفي ذلك رد على الكفار حيث أثبتوا له شريكًا، فكأن الله يقول لهم ما أشركتموه لا يخرج عن السماوات والأرض، وشأن الشريك أن يكون مستقلًا خارجًا عن مملكة الشريك الآخر.
قوله: {مَن ذَا} اسم استفهام مبتدأ و {الَّذِي} خبره وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا شفيع في أحد يستحق النار يشفع عنده بغير مراده.
قوله: (أي لا أحد) تفسير للاستفهام الإنكاري.
قوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي مراده.
قوله: (أي من أمر الدنيا) راجع لقوله ما بين أيديهم، وقوله: (والآخرة) راجع لقوله: {وَمَا خَلْفَهُمْ} فهو لف ونشر مرتب ويصح العكس فيكون لفًا ونشرًا مشوشًا، والأقرب أن يقال المراد بما بين أيديهم ما يستقبل من الدنيا والآخرة، وقوله وما خلفهم ما انقضى من أمر الدنيا، فعلم أمر الدنيا والآخرة مستو عنده بخلاف المخلوقات، قال الشاعر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله…ولكنني عن علم ما في غد عمي
قوله: (أي لا يعلمون شيئًا من معلوماته) دفع بذلك ما يتوهم أن علم الله يتجزأ مع أنه ليس كذلك، وما يتوهم أيضًا أنه يشاء إطلاع أحد على علمه مع أنه مستحيل، إذ ليس في طاقة الحادث اطلاع على حقيقة القديم ولا صفاته، سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته.
قوله: (منها) إي من معلوماته.
قوله: (بأخبار الرسل) أي فلا يصل لأحد علم إلا بواسطة الأنبياء، فالأنبياء وسائط لأممهم في كل شيء، وواسطتهم رسول الله، قال العارف: اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق.