الصفحة 6 من 169

كان العرب قبل الإسلام أمة أمية (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ) (1) لا تاريخ لهم إلا بعض الحوادث المحلية بين قبيلة وأخرى من غزو وثارات وبعض المفاخر الفردية. فلم يكونوا ذوي تراث تالد، ولم تؤثر عنهم العلوم ولا المعارف، ولا شيء من الطب والفلسفة كاليونان أو الصينيين القدامى، كما لم يكن لهم شأنٌ يذكرُ من حيثُ القوةُ العسكريةُ كالفرسِ والرومانِ. وإنما كانوا شعبًا بدائيًا تحتضنهم صحراء قاحلة ذات رمل هارٍ، ومسافات شاسعة، وأعاصير هوجاء تلفّهم لفًا.

إلا أنهم كانوا أصحاب فصاحة وأهل بلاغة، قعدت قواعد لغتهم، وأصلت أصولها وكمل وضعها واستعمالها، فوجد منهم البلغاء والفصحاء، وبرز فيهم الشعراء المفلقون والخطباء المصاقع، فكانت مفاخرهم ومآثرهم تتجلى في تبريز الشعراء والخطباء، فكانت ميزتهم تمكنهم من لغتهم بعد أن وضعت وتثبتت، فكان أظهر ما يظهر عليهم وأقوى ما فيهم من قوة هو تمكنهم من تلك اللغة وإجادتها والتفنن فيها. فأتاهم الآتي من مركز قوتهم لا من مركز ضعفهم، فبعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم بتلك الآيات البينات، وتنزل عليهم ذلك الكلِم المعجز. فقد أتاهم من مركز بلاغتهم وفصاحتهم وتحداهم بذلك النظم الكريم، فطأطاوا رؤوسهم إكبارًا لهذا النظم البليغ، وعجزوا أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، وحيث إنه كان يخاطب عقولهم ويطرق مسامعهم، وينفذ إلى أعماق قلوبهم آمنوا به عن قناعة ورضًا. فقلب حياتهم وغير مفاهيمهم وصحح وجهة نظرهم عن الحياة، وأصبحوا أمة ذات تاريخ مجيد بفضل هذا القرآن وتأثيره في حياتهم، وتقويمه لعقلياتهم، وتهذيبه لنفوسهم. فنهضت به الأمة، وبني به المجتمع، وشيدت به دولة ترامت أطرافها، وحملوه رسالة نيرة خالدة وانطلقوا به نشرًا وفتحًا يواكبهم النصر ويؤازرهم التوفيق.

(1) سورة الجمعة/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت