هذه مواقف في قصة دعوية واحدة، وما أكثرها تلك القصص الدعوية المتجددة، تجدد الدعاة إلى الله.
وما أكثر المواقف الدعوية العظيمة في سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ثم في سيرة صحابته - رضوان الله تعالى عليهم - ومن بعدهم من السلف الصالح الذين أدركوا فضل الدعوة إلى الله، فكانت حياتهم كلهم في الدعوة إلى الله، وبالتالي كانت كلها مواقف دعوية، تستلهم منها الدروس لملتمسي هذا الطريق.
ومواقف القصة كانت عجيبة، يوم أجابت في طياتها وثناياها على تساؤلات تدور في أذهان الكثير، فهي إذن متجددة حية، تعايش واقع الحياة، وتلامس مشكلات اليوم.
ألم تجب القصة في مواقفها على نقطة الداعية من أين يبدأ؟ وإلى أين يتجه؟ وكيف يتحدث، وما حجج الخصوم والأعداء؟ وما سبب عداوتهم؟ ثم كيف يتجاوز الحاجز النفسي، ليسمعوا قوله، ثم قبوله؟
ألم نجد في القصة سرعة التحول وقوته وآثاره .. إلخ؟
لقد رأينا فيها أن الداعية إلى الله هو الذي يخرج للدعوة، ويستفيد من كل الإمكانات المتاحة له، ويقصد مجامع الناس بأنواعها، وهو يعلم أن له أعداء {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [1] .
وهو لا يحاول أن يبرئ نفسه، بل هو مقر بالتقصير، يدرك أن
(1) سورة الأنعام: آية 112.