الغضبية، فإن ارتفعت عن نصرة النفس الغضبية؛ كان همه في نصرة النفس الكلبية؛ فلم يعطها، إلى نصرة النفس السبعية، (وأما النفس الملكية) فلم يعطَها أحد من هؤلاء؛ فإن النفوس كلبية وسبعية وملكية [1] .
فالكلبية: تقنع بالعظم، والكسرة، والجيفة، والعذرة.
والسبعية: لا تقنع بذلك؛ بل بقهر النفوس؛ تريد الاستعلاء عليها بالحق والباطل.
وأما الملكية: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمرت إلى الرفيق الأعلى؛ فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه والطمأنينة به والسكون إليه وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ لتستعين به على الوصول إلى فاطرها ورِبّها ووليَّها، لا لتنقطع به عنه.
ثم ضرب - سبحانه وتعالى - مثلًا ثانيًا، وهو المثل الناري، فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} [الرعد: 17] .
وهذا كالحديد، والنحاس، والفضة، والذهب، وغيرها؛ فإنها تدخل الكير؛ لتمحص وتخلص من الخبث، فيخرج خبثها، فيرمى به ويُطرح، ويبقى خالصها؛ فهو الذي ينفع الناس.
ولما ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين ذكر حكم من
(1) في هذه الفقرة تحريف واضح، ولعل ما أضفناه يفيد في إيضاح المعنى المقصود إلى أن تتيسر لنا نسخة خطية نقوم عليها الفقرة من كلام المؤلف.