واستمرت الفتاة معنا .. تتحمل العذاب في صمت وصبر .. وأتذكر الآن أنه حين كان يأتي العيد يخرج طفلاي مبتهجين مُدللين .. بينما تبقى هذه الطفلة التي تماثلها في العمر تنظف وتغسل دون شفقة أو رحمة ..
وبعد أن تنتهي من أعمالها الشاقة ترتدي فستانًا قديمًا لكنه نظيف .. لأنها كانت تحرص على نظافة ملابسها البسيطة .. أما أبوها فلم تره تلك الطفلة إلا مرات معدودة بعد عملها عندنا .. فقد انقطع عن زيارتها بعد شهور .. وبدأ يرسل أحد أقاربه لاستلام أجرتها الشهرية ..
كما أنها لم ترَ أمها وإخوتها إلا في ثلاث مناسبات محددة:
الأولى: حين مات شقيقها الأكبر في حادث عند عودته من الأردن .. وكانت الفتاة المحرومة تُعلق عليه آمالًا كثيرة .. وتحلم بأن ينتشلها من العذاب الذي تعانيه عندنا .. فإذا به يلقى مصرعه وتفقد آخر أمل لها في النجاة .. فبكت عليه بحرقة وسرًا حتى لا يراها زوجي .. فتلقى عقابًا شديدًا على يديه.
والمرة الثانية لم تكن تعاطفا منا عليها .. وإنما كانت تخلصًا منها في الحقيقة .. فقد كانت مصابة بمرض مُعدٍ .. وخشينا على طفلينا من انتقال العدوى إليهما بواسطتها .. فأبعدناها إلى بلدتها بحجة أن ترى أمها وإخوتها ..