فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 53

العالم إذا سئل عما لا يدريه ومن وجوه العلم» ..

وروى بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي قال:

كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، جئتكم من مسيرة ستة أشهر، حمَّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها.

قال: فسل.

قال: فسأله الرجل عن المسألة.

فقال: لا أُحسنها.

قال: فبُهِت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كلَّ شيء.

قال: أيُّ شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟

قال: تقول لهم: قال مالك: لا أُحسِن [1] .

وقال مالك رحمه الله:

ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول «لا أدري» ، فإنه عسى أن يُهيَّأ له خير.

قال ابن وهب: وكنت أسمعه كثيرًا ما يقول: «لا أدري» .

وقال في موضع آخر: لو كتبنا عن مالك «لا أدري» لملأنا الألواح [2] .

ولذا يُوصِي ابن جماعة الْمُعلِّم بذلك فيقول:

واعلم أنَّ قول المسئول «لا أدري» لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليلٌ عظيم على عِظم محلّه وقوَّة دينه وتقوى ربِّه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحُسن تثبُّته، وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف ..

وإنما يأنف من قول «لا أدري» من ضعفت ديانته وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقَّة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدَّب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر حين لم يردّ موسى - عليه السلام - العلم إلى الله تعالى لَمَّا سُئل هل أحد في الأرض أعلم منك [3] .

وقال الإمام النووي:

وإذا سُئل عن شيء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه ولا أتحققه، ولا يستنكف من ذلك، فمن عِلم العالم أن يقول لِما لا يعلم «لا أعلم» أو «الله أعلم» [4] ، فقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإنَّ من العلم أن يقول لِما لا يُعلم الله أعلم .. قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - [5] : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ

(1) جامع بيان العلوم وفضله، ج 2 ص 53.

(2) المرجع السابق، ج 2 ص 53 - 54.

(3) تذكرة السامع والمتكلم. ص 79.

(4) المجموع شرح المهذب، ج 1 ص 34.

(5) رواه البخاري برقم (4531) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت