عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا" (1) ."
ولكن اختلف العلماء في معنى"كهلا":
فمنهم من قال أن هذه الكهولة التي تحصل لنبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام إنما تكون بعد نزوله من السماء في آخر أيام الدنيا (2) .
ومنهم من قال: المقصود بالكهولة هنا البلوغ، بمعنى أنه في تدبيره وعقله الراجح يعمل ما يعمله الكهل (3) .
ومنهم من اعتبرها أنها المرحلة المعروفة من السن في حالة الكبر، ولكن دون أن يبين وقت وقوعها، قبل الرفع إلى السماء أم بعده (4) .
رابعا: أنبياء بلغوا هذه المرحلة، ويظهر ذلك من خلال شفقة أبنائهم وهم يتحدثون عنهم، بأنهم أصبحوا ضعفاء بسبب شيخوختهم.
وقد جاء ذلك في آيتين، أما الآية الأولى فقوله تعالى:"قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" (5) .
في هذه الآية: يتحدث أولاد يعقوب أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام، ويطلبون من يوسف بشيء من الذل والاسترحام أن يطلق سراح أخيهم الذي وجهت له تهمة بالسرقة.
وطلبوا من يوسف عليه الصلاة والسلام (وهو أخوهم الذي ألقوه في البئر، وهم لا يعرفونه) ، أن يطلق سراح أخيهم، ويأخذ واحدا منهم مكانه، وذلك بحجة أن أباهم شيخ كبير، فلا يستطيع تحمل الصدمات، ويخشون على صحته من سماع خبر مزعج كهذا.
وفي هذا إشارة أن صحة المسن لا تسمح له أن يسمع الأخبار المزعجة، وهذا ما يؤكده العلم الطبي المعاصر (6) .
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة، آية: 110.
(2) البقاعي، إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج 2/ص 563، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3، 1427 هـ.
(3) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 3/ص 335.
(4) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 2/ص 39.
(5) سورة يوسف، آية: 78.
(6) الصابوني، محمد علي، صفوة التفاسير، ج 2/ص 63، دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 9.