كان من هدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى الخوف من الحساب؛ لدقته، وكثرة ما يسأل عنه العبد فيه؛ ولذا كانت محاسبتهم لأنفسهم شديدة اتقاء الحساب يوم القيامة. فلم تكن النعم التي فتحت عليهم طامسًا على قلوبهم أن تغفل عن الحساب، أو تنسى يوم المعاد.
قال أبو عثمان النهدي: لما فتحت جوخي دخل المسلمون يمشون والطعام فيها أمثال الجبال، وقال رجل لسلمان: ألا ترى ما فتح الله علينا، قال سلمان: (وما يعجبك مما ترى؟ إلى جنب كل حب مما ترى حساب) [1] .
وقال أبو ذر - رضي الله عنه: (ذو الدرهمين أشد حسابًا من ذي الدرهم) [2] .
وقال يحيى بن معاذ: (الدنيا لا تعدل جناح بعوضة، وهو يسألك عن جناح البعوضة) .
من حوسب عذب:
من الموحدين من يقرر بذنوبه يوم القيامة، فيقر بها فيغفر الله تعالى له، فلا يعذب كما دل على ذلك حديث صفوان ابن محرز المازني قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده؛ إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب؛ حتى قرره بذنوبه، ورأى نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي كتاب حسناته» [3] .
ومن الناس من يناقش ويسأل. وذلك الذي يعذب بذنوبه كما دل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نوقش الحساب عذب، قالت عائشة: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قال: ليس ذاك الحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» [4] .
وإذا كان في حساب هذه الأيام خاسر ورابح، فخسارة الحساب غدًا أفدح، وفوزه أعظم. فالعاقل من يقيس وجل الناس وقلقهم من أسئلة حساب هذه الأيام على الوجل الأعظم والقلق الأكبر الذي سيحصل يوم القيامة. ومن فعل ذلك قاده للجد والاجتهاد في العبادة، والمسارعة في الخيرات، واغتنام العمر قبل فواته. فكما أن من جد واجتهد خلال هذا العام سيجني ثمرة جده وتعبه هذه الأيام. ومن ضيع وفرط سيجد ذلك في النتيجة، وسوف يندم؛ فكذلك حساب القيامة أشد، والندم فيها أعظم، وسيندم المحسنون على أن لم
(1) البدور السافرة للسيوطي (776) .
(2) الزهد للإمام أحمد (796) .
(3) أخرجه البخاري (2441) ، ومسلم (2768) .
(4) أخرجه البخاري (6536 - 6537) ، ومسلم (2876) .