وليجلس، وليستظل، وليتم صومه» [1] ، فهذه لو فعله لراحة، أو غرض مباح لم ينه، لكن لما فعله على وجه العبادة نُهي عنه.
وكذلك لو دخل الرجل بيته من خلف البيت، لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كان يفعلون في الجاهلية، كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف [2] . فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} .
فبين سبحانه أن هذا ليس ببر، وإن لم يكن حرامًا. فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصيًا، مذمومًا، مبتدعًا، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن العاصي يعلم أنه عاصٍ فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب.
ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله، ولا يرجو به الثواب، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه
(1) أخرجه البخاري (11/ 686 رقم 6704) ، وأبو داود (3/ 599 رقم 3300) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (3/ 621 رقم 1803) : عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عُيَّر بذلك. فنزلت {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} . وانظر: تفسير ابن جرير (3/ 555 - 560) وتفسير ابن كثير (1/ 226 - 227) .