الصفحة 22 من 63

إليه، وبذل له ما لا يستحقه، فاستراح هذا في نفسه، وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود وأهله، فما طاب عيشه وما أنعم باله وما أقرَّ عينه، وأين هذا ممن لا يزال عاتبًا على الخلق شاكيًا ترك قيامهم بحقه، ساخطًا عليهم وهم عليه أسخط؟!

ومنها: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغل بعيب نفسه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس، هذا من علامة الشقاوة، كما الأول من أمارات السعادة.

ومنها: أنه إذا وقع في الذنب شهد نفسه مثل إخوانه الخطائين، وشهد أنَّ المصيبة واحدة، والجميع مشتركون في الحاجة، بل في الضرورة إلى مغفرة الله وعفوه ورحمته، فكما يحب أن يستغفر لأخيه المسلم، فيصبر هجيراه: ربِّ اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات، وللمؤمنين والمؤمنات.

فإذا شهد العبد أنَّ إخوانه مصابون بمثل ما أصيب به، محتاجون إلى ما هو محتاج إليه، لم يمتنع من مساعدتهم، إلا لفرط جهلٍ بمغفرة الله وفضله، وحقيقٌ بهذا ألاَّ يساعد؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، وقد قال بعض السلف: إنَّ الله لَما عتب على الملائكة بسبب قولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]

وامتحن هاروت وماروت بما امتحنهما به، جعلت الملائكة بعد ذلك تستغفر لبني آدم، وتدعو الله لهم" [1] "

(1) مفتاح دار السعادة (1/ 297 - 299) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت