فالجواب من وجوه:
الأول: أن سجود الملائكة لآدم كان طاعة لله وعبادة له، وهو تشريف وتكريم لآدم عليه السلام.
قال ابن جرير (1) : (كان سجود الملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبادة لآدم) ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: (فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (2) :(أما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله تعالى أن نسجد له،ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله عز وجل.
فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود أخوة يوسف له تحية وسلام)اهـ .
قلت: ومما يدل على أن سجود الملائكة لآدم تكريم له، احتجاج إبليس اللعين على ربه حين امتنع عن السجود، فقال: (( أأسجد لمن خلقت طينًا.قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا ) )]الإسراء:61-62[.
فإذا تقرر أن السجود لآدم كان تكريمًا له لا غير، وأنه كان بأمر الله وإذنه، فقياس غيره عليه شرك في التشريع كما هو ظاهر، وبمثل هذا القياس الفاسد كان ضلال أكثر الأمم.
قال الله عز وجل: (( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) )]الشورى:21[.
فمن جوز سجود الملائكة لغير آدم من البشر قياسًا عليه، فقد نصب نفسه مشرعًا مع الله سبحانه، وهذا هو عين الشرك والكفر والضلال.
ويمكن على هذا القياس أن يقول قائل: أمر الله بالطواف بالبيت الحرام، والحج إليه، فيقاس عليه الأحجار والأشجار والقبور ونحوها مما يعظمه الناس، فيحج إليها ويطاف بها كذلك.
ويقال أيضًا: شرع الله النسك في الحج والأعياد والميلاد، فيقاس عليه النحر والعقر للمعظمين من الطواغيت.
ولو استطردنا في ذكر القياسات الفاسدة التي تتحصل من وراء ذلك القول الباطل لأفضى
(1) :"تفسير ابن جرير" (1/512)
(2) :"مجموع الفتاوى" (4/460-461)