ومنهم من يأتي بذنوبه وخطاياه مُقرًا مُعترفًا بجرمه، ثم يتوسل إلى ربه طالبًا الصفح والمغفرة لما سبق منه أن فرّج عن مُسلم كربة، أو يسَّر على مؤمن عُسرًا، فيعفو الله عنه ويُدخله الجنّة.
فالحساب منه العسير، ومنه اليسير، منه التكريم ومنه الزجر والتوبيخ، ومنه إسباغ الفضل والعفو والصفح والتجاوز، ومنه من لا ينظر إليهم رب العباد ولا يُكلمهم.
والمُحاسِب في ذلك اليوم هو قيُّوم السماوات والأرض، وهو ما يُلقي على المشهد مظهر العظمة الحقة، والمهابة الكاملة، والجلال التام، ومجيء رب العالمين إلى القضاء بين الناس تعبر عنه الآية الكريمة: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (البقرة: 210) .
و واضح من الآية أن الملائكة تحضر الحساب، ومعها صحائف أعمال العباد التي أحصت على الخلق أعمالهم، وأقوالهم فكانت حُجة لا تُرد، وهو كتاب وصفه الله تعالى بقوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 47) .
ويجيء الله بالرسل والأنبياء إلى موقف القضاء فيسألهم عن الأمانة التي كُلّفوا بإبلاغها، و يسألهم عن أُممهم، ويسأل أُمة محمد عن جميع الأمم، وهل أجابت أنبياءها أم لم تفعل، ويشهدون شهادة الحق لمن آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر.
والأشهاد يوم القيامة هم الملائكة الذين كانوا يحصون الأعمال على العباد، والأنبياء، والعلماء، كما تشهد الأرض والسماء، والأيام والليالي، بل تشهد على الإنسان أعضاؤه وجوارحه [1] .
(1) أنظر، عالم الغيب: د. يحيى مراد، ص 474.