الصفحة 65 من 80

فريضة على هذه الأمة،

من بلد الشرك [1] إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.

والدليل على وجوب الهجرة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، وقوله تعالى: {يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} .

قال البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان.

والدليل على الهجرة من السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» .

فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم [2] ، والجهاد [3] ،

(1) فائدة:

أ ... بلاد الشرك هي التي تظهر فيها شعائر الشرك والكفر ولا تقام فيها شعائر الإسلام على وجه عام شامل.

ب ... يشترط لجواز السفر إلى بلاد الكفار أو الشرك ثلاثة شروط:

1 -... أن يكون عند المسلم علم يدفع به الشبهات.

2 -... أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.

3 -... أن توجد حاجة تقتضي السفر.

فإذا لم تتوفر هذه الشروط فلا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما فيه من تعريض الدين للفتنة.

(2) فائدة: كان فرض الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة.

(3) فائدة: الجهاد لغة: هو بذل الجهد والوسع.

واصطلاحًا: هو بذل الجهد والطاقة لإعلاء كلمة الله تعالى بقتال الكفار طلبًا أو دفعًا وقتال الخوارج والبغاة ونحوهم من المفسدين في الأرض.

وكان فرض الجهاد في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة ممنوعًا من جهاد الكفار بالسيف، مأمورًا بالصفح عنهم والصبر عليهم ومجاهدتهم بالقرآن لعدم استكمال أمور الجهاد، ومن ذلك أنه لم يكن له ولاية وسلطان، وكان المفسدة باستعماله أكبر وأخطر ولما لله تعالى في ذلك من الحكم الكثيرة، ثم بعد الهجرة وتأسيس الدولة التي صار بها للمسلمين ولاية وسلطان يتحقق به أمر الجهاد ومقصوده، شرع الله تعالى له جهاد الكفار والمشركين بالسيف مع الجهاد بالقرآن.

وكان ذلك على مراتب:

أ ... أول ما أنزل فيه الإذن بالقتال لمن ظلم المسلمين قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ، أي: إذا بدؤوا بالقتال بسبب أنهم ظلموا.

ب ... ثم أمر الله بالجهاد وأوجب قتال الكفار إلا من سالم المسلمين وهادنهم، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الآية.

ت ... ثم أمر الله تعالى في سورة براءة بنبذ العهد وقتال المشركين كافة وقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وألحقت بهم السنة المجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ، وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .

وقال رسول الله: «أغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله» ، ومع هذا التدرج في تشريع الجهاد على هذه المراتب فإنه لم تنسخ النصوص الآمرة بالصبر والصفح عن الكفار على الصحيح، بل هي محكمة، ولكنه يعمل بها في الحال التي تقتضيها في حال ضعف المسلمين وعجزهم عن القتال، أو حين تكون مفسدته أرجح من مصلحته لأهل الإسلام، فإن لولاية المسلمين الشرعية أن تصالح الكفار والمشركين - ما دام في الصلح مصلحة كاملة أو راجحة للمسلمين وفي القتال مفسدة كاملة أو راجحة - مؤقتًا، أي: بمدة محدودة أو غير مؤقت أي بمدة مفتوحة.

ومتى ما صار للمسلمين قوة على جهاد الكفار وغلب على الظن رجحان مصلحته نبذ المسلمون عهد الكفار إليهم وقاتلوهم بعد إشعارهم بمدة قبل حربهم بإنهاء اتفاقية الصلح، فلم يبح الله تعالى ترك قتال الكفار والمشركين من أي ملة ونحلة أبدًا وإن هادنوا المسلمين وسالموهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ، وقال تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

فائدة: في تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - الدين:

مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت حتى بلغ كامل ما أنزل إليه من ربه، فلم يكتم شيئًا ولم ينس شيئًا مما أمره الله بتبليغه من دينه بل بلغه قولًا، وبينه فعلًا وحالًا، وتقريرًا، وإنكارًا، وبذلك قامت الحجة واتضحت المحجة وزالت المعذرة، واعتقاد كمال تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالته الأمة من مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، ومما أجمع عليه المسلمون فلا يتحقق إيمان عبد بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤمن بكمال تبليغه وبيانه لرسالاته قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} الآية، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت