الصفحة 64 من 80

وفرضت الصلوات الخمس، وصلى بمكة ثلاث سنين [1] .

وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة. والهجرة [2]

(1) فائدة: وقد كان فرض الصلاة أعظم شيء، وأكبره أثرًا في ظهور أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، بعد أن أرسله الله وبعثه إلى قومه، ولذا فالغالب أنه كان أمره - صلى الله عليه وسلم - في ظهور فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - منتصرًا بعد فرضها؛ وكان قبل فرضها يصلي باجتهاده، وربما بالدعاء.

ففرضت الصلاة في أحرج ظرف مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنذ فرضت وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في عزة وظهور؛ وقد خففت فكانت نعم العون للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في دعوتهم وسائر شؤونهم فكانت الصلاة والدعاء مفزعهم عند الملمات وراحتهم من الشدات، ولهذا كله قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، ثم طرأ على الصلاة بعض التغييرات من الإتمام والقصر، والجمع وصفات صلاة الخوف، فقالت عائشة-رضي لله عنها-: «كانت الصلاة اثنتين اثنتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» .

(2) فائدة: شرع الله تعالى الهجرة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لأن المشركين آذوه وآذوا أصحابه، فلطف الله بهم وأمرهم بالهجرة إلى المدينة، وكان ذلك إيذانًا بنصرة المسلمين وظهور الدين وقيام أول دولة في الإسلام وخزي الكفرة من أهل الكتاب والمشركين، والهجرة على هذا الوجه - من غير مكة - باقية إلى أن يأتي الله بأمره، فالهجرة مأخوذة من الهجر، وهو نوعان:

أ ... الهجر على وجه التأديب: وهو هجر من يظهر البدع والمنكرات والمقصود به زجر المهجور وتأديبه بسبب معصيته وصرف العامة عن مثل حاله فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة كان مشروعًا فقد هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه رضي الله عنهما بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك من غير عذر شرعي، و إن لم يكن في الهجر فائدة أو كانت فيه مفسدة فإنه لا يجوز الهجر ولذلك لم يهجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من أصحابه في مكة ولم يهجر رؤوس المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول ونظرائه لما في هجرهم من المفسدة الراجحة وفي مثل هذه الحالة فالتأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف أقوامًا ويهجر آخرين.

ب ... الهجر بمعنى: الترك، أي: بمعنى ترك المنكرات، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين} ، وقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} ، أي: لا يشهد المنكرات لغير حاجة كالإنكار.

ومن الترك هجر البلاد، أي: أرض الكفر والشرك، فيهجر المقام بين أظهر الكافرين والمنافقين والفاسقين، ومنه قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وما جاء من النصوص بشأن الهجرة فهو من هذا الباب.

فائدة: في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم:

كانت الهجرة من مكة وغيرها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة واجبة قبل فتح مكة من أجل أن يكثر المسلم المهاجر سواد المؤمنين، ويقلل سواد الكفار، ومن أجل ألا يفتتن في دينه، وليتفقه وليتعلم؛ ومن تركها مع القدرة فهو ظالم لنفسه متوعد بما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ... إلى قوله تعالى: فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .

ومن نوى الهجرة ولم يتيسر فأجره على الله، ثم نسخ الوجوب بعد الفتح، وصارت البلاد كلها بلاد الإسلام مكة والمدينة وغيرها من الجزيرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» ، فقوله: «لا هجرة» ، أي: من مكة.

ويكون الوجوب في الهجرة مع القدرة:

1 -... إذا كانت من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام.

2 -... وكذا إن خاف على دينه الفتنة.

3 -... أو من بلاد المعاصي إلى بلاد الطاعة.

4 -... أو من بلاد تظهر فيها البدعة إلى بلاد تظهر فيها السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت