وبعد العشر عرج به إلى السماء [1] ،
(1) فائدة: لما ضاق الأمر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى قريش وأهل الطائف له، كان من تفريج الله له بأن أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلى وجاوزها حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم عرج به إلى مكان قريب من الله تعالى حيث بلغ مستوى يسمع فيه صريف الأقلام وجريانها بالمقادير. وكلمه الله تعالى كفاحًا حين فرض عليه الصلوات، وفي آخر مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه تبارك وتعالى بشأن التخفيف قال تعالى: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ما يبدل القول لدي» .
والإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا، وقيل بمعنى سرى.
وشرعًا: هو إسراء جبريل عليه السلام بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقد أسرى بجسد النبي - صلى الله عليه وسلم - وروحه جميعًا على الصحيح يقظة لا منامًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على البراق، ثم عرج به إلى السماء بالمعراج وفتح له باب السماء الدنيا، ثم عرج به من سماء إلى السماء التي أعلا منها - كلما مر بسماء لقي فيها نبيًا من الأنبياء والمرسلين قبله - عليهم السلام - حتى جاوز السموات السبع جميعًا إلى سدرة المنتهى بصحبة جبرائيل - عليه السلام -، ثم ارتفع حتى بلغ مستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي: جريانها بالمقادير -، وهناك دنا من الجبار جل جلاله وكلمه بلا واسطة، وفرض عليه الصلوات الخمس، وقال سبحانه وتعالى: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ... » الحديث القدسي، ثم نزل - صلى الله عليه وسلم - وأصبح بمكة يحدث عما جرى له.
وكان مما جرى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الرحلة المباركة الميمونة أمور:
الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى تلك الليلة بالنبيين والمرسلين قبله في بيت المقدس ركعتين.
الثاني: أنه لقي عددًا من أنبياء الله ورسله في السموات فسلم على من لقي منهم ودعا له بخير.
الثالث: أنه ارتفع فوق سدرة المنتهى إلى مكان سمع فيه صريف الأقلام وهو جريانها بالمقادير.
الرابع: أنه أدخل الجنة فأريها حقًا.
الخامس: أن الله تعالى كلمه كفاحًا وفرض عليه الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خفضها الله عنه - بعد مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه في عددها بمشورة موسى - عليه السلام - حتى استقرت على خمس في العدد، وجعل ثوابها ثواب خمسين فضلًا من الله عز وجل على عباده، لأن الله تعالى قد قال له: «قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» .
فالإسراء والمعراج وما فيهما من آيات نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن المغيبات التي يجب الإيمان بها لورود النصوص فيها بالتواتر فمن أنكرها فهو كافر كفر جحود، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الآية. والمعراج مفعال وهي الآلة التي صعد عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - صحبه جبرائيل عليه السلام من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى.