والثَّاني: أن يُخير بين السِّرِّ والجهر، وهو قَولُ ابن حزمٍ، وإسحاق ابن راهويه على ما حَكَى الزّيلعيّ، وقال: كان بعضُ العلماءُ يقولُ بالجهرِ سَدًَّا للذريعةٍ، ويَسوغُ للإنسان أن يتركَ الأفضلَ؛ لأجلِ تأليفِ القلوبِ واجتماعِ الكلمةِ خَوفًا مِن التَّنفيرِ، كما تَرك رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ بِناءَ البيتِ على قَواعدَ إبراهيمَ، لكونِ قُريشٍ كانوا حَديثي عَهدٍ في الجاهليةِ، وخَشِي تَنفِيرُهم بذلك، وقد نَصَّ أحمدُ وغيرُهُ على ذلك في البسملةِ، وفي وصلِ الوترِ، وغيرِ ذلك مما فيه العدولِ مِن الأفضلِ إِلى الجائزِ المفضولِ مُراعةً لخلافِ المأمومِ (1) أو تَعريفهم السُّنَّة، وهذا أصلٌ كبيرٌ في سدِّ الذَّرائعِ. انتهى (2) .
والثالثُ: أَنَّهُ يُسنُّ السِّرُّ ويُكرَهُ الجهرُ، وهو قولُ أصحابنا ـ رحمهم الله تَعَالَى ـ.
وقال الإَِتْقَانيّ في (( التبيين شرح منتخب حسام الدين ) ): عندنا لا يَجهرُ، وعند الشَّافِعِيّ يَجهرُ، وقد أدركَ أَبُو حنيفةَ أنسًا وغيرَهُ مِن الصحابةِ، والحالُ في أمورِ الدِّينِ أشهرُ وأظهرُ للصحابةِ والتابعينَ مِن غيرهم.
وما رُوي أَنَّهُ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ جَهرَ، فقد طَعنَ فيه أئمة الحديث؛ لأنَّ نُدرةَ الحديثِ وعَدمِ شُهرتِهِ في ما فيه ابتلاء دَليل الافتراءِ والنَّسخِ فلا يُسمع، وقد قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخعيّ: الجهرُ بالتَّسميةِ بِدعة، وهو مِمَنْ أَدرك أكابر الصَّحابةِ. انتهى.
ولِنذكُر أَولًا دَلائلَ المخالفينَ مع أَجوبتِها، ثُمَّ نَبسطُ الكلامَ على طورِ مَذهبنا:
(1) في الأصل (( المأمون ) ).
(2) في (( نصب الراية ) ) (ج1/ص327) .