فبالأولى يَثبُتُ الفرضُ، وبالثَّاني والثَّالثُ الوجوبُ، وبالرَّابعُ السُّنَّةُ أو الاستحبابُ، فيكون ثُبوتُ الحكمِ بِقدرِ دَليلِهِ، وخَبرِ التَّعديل من القِسمِ الثَّالثِ، وأمَّا خبر (1) التَّسميةِ فليس منه، لأنَّ مثلَهُ يُستَعملُ لِنفي الفضيلةِ .
وأنت تَعلمُ أنَّ هذا الجواب ليس بِحسنٍ لِكونه مَنقوضًا بِحديثِ: (( لا صَلاةَ إِلا بفاتحةِ الكتابِ ) ) (2) ، كَمَا لا يَخْفَى .
وثانيها: وهو أَضعفها، أنَّها مُستَحبةٌ، قِيلَ: وهو ظاهرُ الرِّوايةُ، وإليهِ مَال صاحبُ (( الهداية ) )، حيثُ قالَ فيها: الأصحّ أنَّها مُستَحبةٌ وإن سَماها في الكتاب سُنَّةً. انتهى.
وَوجههُ أنَّ السُّنَّةَ ما فَعلَهُ رَسولُ الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ مُواظبةً، وَلَمْ تَثبت على التَّسميةِ، بدليلِ أنَّ عثمانَ وعليًا حَكيا وُضُوءَهُ، ولم يَنْقُلا التَّسميةَ، ولأنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم: (( لا وُضُوءَ لِمَن لا يُسمِّ ) ) (3) ، إمَّا أن يُرادَ بِهِ نفي الجواز أو نَفي الفضيلةِ، والأوَّلُ مُنتَفٍ لِلزومِ مُعارضةِ خَبرُ الواحدِ كِتابَ اللهِ فَتَعينَ الثَّاني، ونَفْيُ الفضيلةِ دَليلُ الاستحبابِ، وما رُوي أَنَّهُ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ سَمَّى، فَنَقولُ: نَعَم. لَكِنْ لا نُسلِّم أنَّها كانت باعتبارِ أنَّها سُنَّةٌ في الوضوءِ، بَل باعتبارِ أنَّها مُستَحبةٌ في ابتداءِ جَميعِ الأفعال. كَذَا في (( غايةِ البيانِ ) )، وغيرِهِ .
وردَّهُ العينيً (4) : بأنَّها كَيفَ تَكونُ مُستحبة مَعَ ورودِ كَثيرٍ من الأحاديثِ الدَّالَّةِ على السُّنِّيَّةِ بمقتضى التَّأويلِ المذكورِ، ولولاهُ لكانت واجبةً. انتهى .
(1) في الأصل (( خير ) ).
(2) سبق تخريجه (ص73) .
(3) سبق تخريجه (ص59،61) .
(4) في (( البِنَاية ) ) (ج1/ص142) .