و حاصل القصة:
أن أبا موسى حمل النهى عن الخروج من البلد الذى يقع فيه الطاعون ، على قصد الفرار منه ، من غير أن يضيفه إلى معنى آخر غير الفرار ؛ كما إذا كان الخارج عنها ممن لم يكن من أهلها ، فاستوخمها ، فخرج عنها إلى بلد آخر يوافق ما ألفه من بلدته التى نشأ بها . و إلى ذلك يشير قول عمر في كتابه لأبي عبيدة: ( إنك أنزلت الناس أرضًا غميقة ) ؛ و هى بغين معجمة مفتوحة و ميم مكسورة و بعد التحتانية الساكنة قاف ؛ أى قريبة من المياه و النُّذُوْر ، و الغُمْق: فساد الريح و خُمومها من كثرة الأَنْداء ، فيحدث منه الوباء . فإذنُ عمر في الخروج من تلك الأرض ، يلتحق بالتداوى ، و ليس هو لمحض الفرار من الموت ، و على ذلك يحمل كتابه إلى أبي عبيدة ؛ يأمره بالرحيل إليه .
أو كان عمر يرى النهى عن الخروج أولا ، محمولًا (1) على ما إذا تمحّض للفرار (2) ، أما إذا كان لحاجة أخرى ، فلا يدخل تحت النهى . و يكون عرضت له في نفس الأمر حاجة عند أبي عبيدة ، و رجا مع ذلك أن يسلم أبو عبيدة من ذلك المرض في ضمنها . و فهم أبو عبيدة أن هذا الثانى هو مراده بالأصالة ، فلم يوافقه على ذلك ، فعدل / [76/أ] عمر إلى أمر يعمّ جميع من كان مع أبى عبيدة ، لما اعتذر له أبو عبيدة أنه لا يرى أن يخصّ نفسه بأمر دونهم .
ــــــــــــ
(1) في الأصل: محمول - لحن ، صوابه في ف ، ظ .
(2) ف: على ماذا بمحض الفرار - فيها تحريف و تصحيف .